أبيي.. كيف حوّل الإسلاميون التعايش إلى ساحة صراع؟

تقرير: عين الحقيقة

تُعدّ منطقة أبيي، الواقعة بين ولاية غرب كردفان السودانية وولاية واراب في جنوب السودان، واحدة من أكثر المناطق تعقيدًا من الناحيتين السياسية والاجتماعية. وظلت المنطقة تمثل نقطة تماس تاريخية بين قبيلتي المسيرية ودينكا نقوك، رغم ما يجمعهما من علاقات راسخة من التعايش والتبادل الاجتماعي والتجاري امتدت لعقود طويلة.
وترتبط أزمة أبيي بعوامل تاريخية وسياسية متشابكة تعود إلى الحقبة الاستعمارية، مرورًا بمراحل ما بعد استقلال السودان، حيث ظلت قضية تبعية المنطقة ووضعها الإداري والسياسي محل خلاف بين الحكومات السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، وصولًا إلى اتفاقية السلام الشامل التي أعادت طرح مستقبل المنطقة باعتباره إحدى القضايا الرئيسية العالقة.
ويرى أحد أبناء المنطقة، الذي فضّل حجب هويته، في حديثه لـ«عين الحقيقة»، أن نظام الإنقاذ تعامل مع ملف أبيي باعتباره ورقة سياسية ضمن صراعات السلطة والنفوذ، وأن توظيف الخطاب السياسي والهوياتي حول المنطقة أسهم في تعميق الاستقطاب بين المكونات المحلية، بدلًا من الدفع نحو حلول مستدامة تحافظ على التعايش التاريخي بين المسيرية ودينكا نقوك.
ويضيف أن مؤسسات الدولة خلال فترة حكم الإسلاميين أدارت الملف بسياسات أبقت الأزمة مفتوحة، متهمًا جهات مرتبطة بالنظام السابق باستخدام أدوات أمنية واستخباراتية للتأثير في مسار الصراع المحلي وإعادة إنتاج التوترات بما يخدم حسابات سياسية أوسع.
ومع اندلاع حرب 15 أبريل 2023، ازدادت هشاشة الأوضاع في مناطق غرب كردفان والمناطق المحيطة بأبيي، وأصبحت المنطقة مسرحًا لتداخل الصراع العسكري مع المصالح الاقتصادية وحركة التجارة العابرة للحدود.
ويبرز سوق النعام، الواقع بالقرب من أبيي، باعتباره أحد أهم المراكز التجارية المتأثرة بتداعيات الحرب، إذ تحوّل من سوق محلي إلى مركز تجاري حيوي يربط مناطق واسعة بين السودان وجنوب السودان.
غير أن السوق تعرّض لحرائق واضطرابات متكررة عقب اندلاع الحرب، وسط اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن تأجيج التوترات.. ويتهم بعض الناشطين عناصر من المسيرية المنتمين إلى الحركة الإسلامية بالمساهمة في إثارة النزاعات داخل المنطقة، بينما يرى مراقبون أن جهات محسوبة على التيار الإسلامي، ومتحالفة مع بعض مراكز النفوذ العسكرية، سعت إلى استغلال حالة الفوضى وتعطيل النشاط التجاري، بما يسهم في تعميق الانقسامات المحلية.
في المقابل، تؤكد مصادر محلية أن ضعف مؤسسات الدولة وغياب الإدارة الفاعلة أفسحا المجال أمام مجموعات مختلفة لاستغلال الانقسامات القبلية وتحويل الخلافات التاريخية إلى أدوات للصراع السياسي والاقتصادي.
وتظل قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي «يونيسفا» طرفًا حاضرًا في المشهد، باعتبارها الجهة الدولية المكلفة بمتابعة الملف الأمني في المنطقة، ومراقبة الترتيبات الأمنية، وحماية المدنيين، في ظل تعقيدات سياسية حالت دون التوصل إلى تسوية نهائية بشأن مستقبل أبيي.
ويرى متابعون أن استمرار توظيف قضايا الهوية والقبيلة والدين في الصراع حول أبيي أسهم في إضعاف الروابط الاجتماعية التي جمعت سكان المنطقة لعقود طويلة، وأن معالجة الأزمة تتطلب تجاوز منطق الاستقطاب السياسي، وتعزيز دور المجتمعات المحلية في بناء السلام وترسيخ قيم التعايش.
الخلاصة
تكشف تجربة أبيي كيف يمكن للصراعات المحلية أن تتحول إلى أدوات للصراع السياسي عندما تتداخل المصالح الأمنية والاقتصادية مع قضايا الهوية والانتماء. وبينما تستمر الخلافات بشأن مستقبل المنطقة، يبقى الحفاظ على التعايش بين مكوناتها مرهونًا بوقف استغلال الانقسامات المحلية، وتعزيز الحلول السياسية والمجتمعية، بعيدًا عن حسابات الحرب والنفوذ.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.