مرّت أكثر من اثنتين وسبعين ساعة على الحادثة المأساوية التي أودت بحياة عدد من عمال مناجم الذهب في شمال السودان، ولا تزال السلطات الحاكمة بحكم الأمر الواقع في بورتسودان تلتزم الصمت، رافضةً حتى الآن إصدار أي بيان رسمي يوضح حقيقة ما جرى أو يحدد ملابساته. وفي المقابل، يواصل الشعب السوداني انتظار الحقيقة بقلق واستياء متزايدين.
سيظل هذا الصمت وصمةً عار تلاحق الحكومة القائمة بحكم الأمر الواقع ما لم تبادر إلى كشف الحقائق كاملة أمام الرأي العام. فالحكومة التي لا تحترم حق مواطنيها في المعرفة والمساءلة لا يمكنها أن تطالبهم بالثقة أو الاحترام.
إن الوظيفة الأساسية لأي حكومة في العالم هي حماية مواطنيها والدفاع عن سيادة بلادها وصون أرواح الناس ومصالحهم. غير أن ما يجري اليوم في السودان يثير أسئلة عميقة حول مدى التزام السلطة القائمة بهذه المسؤوليات. فلا شيء يبرر التأخير المستمر في إصدار موقف رسمي واضح إزاء حادث بهذه الخطورة، ولا سيما في ظل الاتهامات المتداولة بشأن ضلوع طائرات عسكرية مصرية في الهجوم.
ويعزز هذا الصمت المتواصل الشكوك والتساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الحكومة القائمة بحكم الأمر الواقع في بورتسودان والحكومة المصرية. فكلما طال انتظار التوضيح الرسمي، تآكلت مصداقية السلطة أكثر فأكثر، واتسعت الفجوة بينها وبين الرأي العام السوداني.
ومما يزيد المشهد تعقيداً أن قوى سياسية ومدنية متعددة سارعت إلى إعلان مواقفها وإصدار بياناتها الخاصة بشأن الحادثة.
فقد أصدرت تحالف قوى السودان (تأسيس – TASIS) والحركة الشعبية لتحرير السودان شمال (SPLMN) والقوي الثورية للتحالف المدني الديموقراطي «صمود» والحزب القومي السوداني بالإضافة الي أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني أخري كلهم أصدروا بيانات إدانة منفصلة عبّرت فيها عن إستياءهم وشجبهم لهذا الحدث المؤلم مطالبة حكومة الأمر الواقع بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عنها.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا تواصل السلطة الرسمية صمتها المريب بينما يتحدث جميع وسائل التواصل في الشجب والإدانة؟
إن الحكومة القائمة بحكم الأمر الواقع أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إصدار بيان واضح وصريح يحدد موقفها من الحادثة ويضع الحقائق أمام الشعب، أو الاستمرار في الصمت. وفي الحالة الثانية، فإنها تتحمل مسؤولية ما سيترتب على ذلك من فقدان للثقة وتنامي للشكوك بشأن حقيقة موقفها.
إن وجود منظومة من القيم المشتركة بين الحكومات وشعوبها يمثل شرطاً أساسياً لاستقرار أي دولة واستمرار شرعية مؤسساتها. كما أن امتلاك مشروع وطني واضح ورؤية استراتيجية مستقلة يعد الضمانة الحقيقية لحماية المصالح الوطنية في مواجهة الضغوط والتجاذبات الخارجية. وعندما تغيب هذه الرؤية، تصبح الدولة أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية وفقدان القدرة على اتخاذ مواقف مستقلة وواضحة.
لقد كشفت هذه الأزمة، في نظر كثيرين، عن أزمة أعمق تتعلق بالثقة والمصداقية والرؤية الوطنية. وهي أزمة لن تُعالج بالشعارات أو الخطابات، وإنما بالشفافية والمساءلة واحترام حق المواطنين في معرفة الحقيقة.
ابكِ يا وطني النازف لوحدك.
كمبالا – أوغندا
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.