حين تتحول مكبرات المساجد إلى أدوات لكسر الإضراب

حسن عبد الرضي

ما أشدَّ الأسى حين تُختطف قدسية المسجد لتُسخَّر في معركة لا تمت إلى رسالته بصلة.

فالمساجد بيوت الله، بُنيت ليُذكر فيها اسمه، وتُرفع فيها كلمة الحق، ويُدعى منها إلى الخير والعدل، لا لتتحول إلى منصات للدعاية الإدارية أو أدوات للضغط على أصحاب الحقوق.

بل إن الواجب الديني والإنساني يقتضي أن تكون منابر المساجد صوتًا للعدل، وسندًا للمظلوم، لا وسيلة لإضعافه أو الالتفاف على مطالبه المشروعة.

إن الحملة الرامية إلى كسر إضراب معلمات ومعلمي ولاية الجزيرة، عبر استخدام مكبرات صوت بعض المساجد للإعلان عن استئناف الدراسة ودعوة الطلاب إلى الحضور، لا تكشف عن قوة، وإنما عن عجزٍ وإفلاس.

فمن يفشل في معالجة قضية عادلة بالحوار والإنصاف، يلجأ إلى استغلال التدين الفطري للشعب السوداني، متوهمًا أن العاطفة الدينية يمكن أن تحقق ما عجزت عنه الحجة والعدالة.

لكنهم يسيئون قراءة المعلمين، ويسيئون قراءة المجتمع.

فالمعلمون ليسوا غرباء عن الدين، ولا خصومًا للمساجد، بل هم من أكثر فئات المجتمع وعيًا بخطورة توظيف الدين لتحقيق مكاسب دنيوية أو سياسية أو إدارية.

وقد خبر السودانيون، طوال عقود، كيف رُفعت الشعارات الدينية لتبرير سياسات أفقرت الناس، وأضعفت التعليم، وأهدرت كرامة الإنسان.

ولذلك لم تعد هذه الأساليب تخدع أصحاب الوعي، بل أصبحت تثير في نفوسهم مزيدًا من الريبة والرفض.

إن قضية المعلمين ليست مواجهة مع الطلاب، ولا خصومة مع المجتمع، ولا صراعًا مع الدين، وإنما هي معركة من أجل الكرامة الإنسانية، ومن أجل حق المعلم في حياة كريمة تمكنه من أداء رسالته.

فمن الظلم أن يُطلب من المعلم أن يحمل رسالة بناء الأجيال وهو عاجز عن توفير أبسط احتياجات أسرته، ثم يُتهم بالأنانية لأنه طالب بحقه.

وإذا كان للمسجد أن يتناول الشأن العام، فإن أولى القضايا التي تستحق أن تُرفع من فوق منابره هي نصرة المظلوم، والدعوة إلى العدل، والحث على إنصاف أصحاب الحقوق، لا استخدام هيبته للضغط عليهم وكسر إرادتهم.

إن الزج بالمساجد في الصراعات الإدارية والنقابية لا يسيء إلى المعلمين وحدهم، بل يسيء إلى المسجد نفسه، ويقوض الثقة في حياده وقدسيته، ويجعله طرفًا في نزاع كان ينبغي أن يبقى بعيدًا عنه.

والمسجد أكبر من أن يُستغل في معركة وظيفية، وأشرف من أن يُستخدم وسيلةً للدعاية أو التعبئة ضد أصحاب الحقوق.

لقد أثبتت التجارب أن استغلال المشاعر الدينية لا يصنع حلولًا، وإنما يراكم الاحتقان، ويعمق فقدان الثقة، ويكشف ضعف من يلجأ إليه.

أما الحقوق، فلا تُسقطها مكبرات الصوت، ولا تُلغيها البيانات، ولا تُبددها حملات الترهيب أو التضليل.

لقد أثبت معلمات ومعلمو ولاية الجزيرة، بصمودهم ووحدة صفهم، أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحقوق لا تُنتزع إلا بالإصرار والثبات.

وإذا كانت هناك رغبة صادقة في إنهاء الإضراب، فإن الطريق معروف: حوار جاد، واستجابة عادلة للمطالب، واحترام لمكانة المعلم، لا استغلال لحرمة المساجد.

سيظل المسجد مسجدًا، ومنارةً للحق والعدل، وستظل رسالة التعليم أسمى من أن تُكسر بمكبرات الصوت أو تُهزم بحملات الدعاية.

أما الحقوق، فإنها لا تموت بالتجاهل، ولا تُمحى بالإعلانات، ولا تُقهر باستغلال العاطفة الدينية.

وسيظل التاريخ يكتب، لا أسماء من احتموا بالسلطة واستغلوا المقدسات، وإنما أسماء الذين وقفوا إلى جانب الحق، ودافعوا عن الكرامة، وانتصروا للعدل، مهما كان الثمن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.