​بين واشنطن وطهران: مناورات البرهان الدبلوماسية تصطدم بـ”الفيتو” الأمريكي على حلفائه الإسلاميين

تقرير: عين الحقيقة

​تكشفت بوضوح معالم المأزق الدبلوماسي والعسكري الذي تعيشه قيادة الجيش، فبينما تقود بورتسودان حملة علاقات عامة مستميتة لإقناع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بنبذ علاقاتها مع إيران، جاءت الصدمة من واشنطن التي أكدت أن التحالف الميداني بين الجيش والحركات الإسلامية المتطرفة لا يزال يتغذى على الدعم والتدريب الإيراني. ​ويرى مراقبون أن محاولات قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لتقديم نفسه كـ”شريك موثوق في جهود السلام” أمام واشنطن والرياض، لا تعدو كونها مناورة سياسية مكشوفة تحاول التغطية على ارتهان القرار العسكري والسياسي في بورتسودان لصالح مجموعات النظام السابق نظام المخلوع عمر البشير.

اعتماد الجيش على السلاح الإيراني لكسر الجمود العسكري واستعادة بعض المواقع في أم درمان والخرطوم، وضع المؤسسة العسكرية في تبعية مباشرة لمحور طهران.

وفقاً لما كشفته تقارير صحفية دولية، أبرزها وكالة “بلومبيرغ”، حاول الجيش السوداني توجيه رسائل طمأنة خلف الكواليس للمسؤولين الأمريكيين، مدعياً أنه أوقف اعتماده على الأسلحة الإيرانية. ​إلا أن هذه الادعاءات سرعان ما دحضتها التصريحات الرسمية الصادرة عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، والتي أكدت صراحة أن: ​كتائب الإخوان المسلمين والمجموعات الإسلامية المقاتلة في السودان لا تزال تحتفظ بعلاقات وثيقة مع طهران، حيث ان ​الحرس الثوري الإيراني يواصل تقديم الدعم الفني والتدريب العسكري لهذه المجموعات، بالإضافة إلى ​التغلغل الإيراني في بنية المعسكر التابع للجيش يتجاوز مجرد صفقات تسليح رسمية يمكن إيقافها بقرار سياسي.
و ​يعيد هذا التناقض تسليط الضوء على انتهازية التحالفات التي نسقها الجيش، فالسودان الذي سارع لاستئناف علاقاته مع طهران في أواخر عام 2023 بعد قطيعة دامت سبع سنوات، فعل ذلك بهدف وحيد وهو الحصول على طائرات مسيّرة هجومية (درونز) لإنقاذ موقفه الميداني المتهاوي أمام خصومه.
​ووفقاً لمحللين سياسيين، فإن اعتماد الجيش على السلاح الإيراني لكسر الجمود العسكري واستعادة بعض المواقع في أم درمان والخرطوم، وضع المؤسسة العسكرية في تبعية مباشرة لمحور طهران. وبالتالي، فإن محاولات قيادة الجيش الحالية لإظهار التخلي عن إيران ليست سوى محاولة لبيع بضاعة تالفة للغرب، في وقت لا تزال فيه تكنولوجيا المسيرات والصيانة الفنية الإيرانية شرياناً أساسياً لاستمرار العمليات العسكرية للجيش.
و ​تكمن العقدة الحقيقية التي تحول دون كسب الجيش لأي مصداقية دولية في التركيبة العقائدية للقوات التي تقاتل معه على الأرض. إذ تسيطر كتائب إسلامية مسلحة، مثل “كتيبة البراء بن مالك” المكونة من عناصر النظام البائد، على القرار الميداني للجيش.

ترى الدوائر الدبلوماسية الغربية أن قيادة الجيش السوداني باتت واجهة سياسية فقط، بينما القوة الحقيقية التي تدير المعارك وتمتلك خطوط اتصال مباشرة مع الحرس الثوري الإيراني هي المجموعات الإسلامية.

وترى الدوائر الدبلوماسية الغربية أن قيادة الجيش السوداني باتت واجهة سياسية فقط، بينما القوة الحقيقية التي تدير المعارك وتمتلك خطوط اتصال مباشرة مع الحرس الثوري الإيراني هي المجموعات الإسلامية. هذا الواقع يجعل من مستحيلاً على واشنطن التماهي مع وعود البرهان، كونها تدرك أن أي تمكين للجيش في أي مفاوضات مقبلة هو تمكين غير مباشر لنفوذ إيراني خالص على شواطئ البحر الأحمر الاستراتيجية.
و ​يؤكد الموقف الأمريكي الأخير أن سياسة “اللعب على الحبلين” التي تنتهجها قيادة الجيش السوداني قد وصلت إلى نهايتها. فالإصرار على الاحتفاظ بالحلفاء العقائديين المرتبطين بإيران ميدانياً، مع محاولة بيع الأوهام الدبلوماسية لواشنطن سياسياً، يفقد الجيش ما تبقى له من فرص للحصول على غطاء دولي، ويظهره كطرف يطيل أمد الحرب الأهلية تلبية لأجندات تنظيمية وعواصم إقليمية مشبوهة، بدلاً من السعي وراء سلام حقيقي يلبي تطلعات الشعب السوداني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.