مناورات (الإخوان) تجهضها يقظة المجتمع المدني والقوى السياسية

نورا عثمان

في خضم الأزمة السودانية المستمرة، لا تزال بعض القوى المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين تسعى إلى إعادة ترتيب أوراقها والعودة إلى المشهد السياسي عبر بوابات متعددة، مستفيدة من حالة السيولة الأمنية والانقسام السياسي التي أفرزتها الحرب. غير أن هذه المحاولات تواجه اليوم واقعاً مختلفاً عما كان عليه الحال في السابق، يتمثل في تنامي وعي المجتمع المدني واتساع دائرة القوى السياسية الرافضة لعودة التجارب التي ارتبطت بالاستبداد والانفراد بالسلطة وإضعاف مؤسسات الدولة.
لقد أظهرت السنوات الماضية، وما أعقبها من حرب مدمرة، حجم الكلفة التي دفعها السودان نتيجة تغليب المصالح الحزبية والأيديولوجية على المصالح الوطنية. ولذلك تبدو قطاعات واسعة من السودانيين أكثر تمسكاً اليوم بمشروع الدولة المدنية الديمقراطية التي تقوم على المواطنة وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة. ومن هذا المنطلق، جاءت تحركات منظمات المجتمع المدني والنقابات والهيئات المهنية والقوى السياسية الديمقراطية لتشكل سداً أمام أي محاولات لإعادة إنتاج المشهد القديم أو الالتفاف على مطالب التغيير التي رفعتها الجماهير السودانية على مدى سنوات.
وتدرك هذه القوى أن المعركة الحقيقية لا تدور فقط في ساحات السياسة، وإنما في فضاء الوعي العام أيضاً. ولذلك نشطت المبادرات المدنية في توثيق الانتهاكات، ومراقبة الخطاب السياسي، والدفع نحو حلول سلمية للأزمة، مع التأكيد على ضرورة عدم السماح لأي جهة باستغلال الحرب لتوسيع نفوذها أو فرض أجندتها على مستقبل البلاد. كما أن الحراك السياسي المتواصل بين القوى المدنية المختلفة يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية بناء جبهة وطنية واسعة قادرة على حماية التحول الديمقراطي ومواجهة مشاريع الهيمنة والإقصاء.
ورغم التحديات الكبيرة التي تواجه المجتمع المدني والقوى السياسية بسبب ظروف الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي، فإن المؤشرات الحالية تؤكد أن السودان يشهد مرحلة جديدة من الوعي السياسي والمجتمعي. فالمواطن الذي دفع ثمناً باهظاً من أمنه واستقراره ومعيشته بات أكثر حساسية تجاه الخطابات التي تقوم على الاستقطاب والانقسام، وأكثر اقتناعاً بأن مستقبل البلاد يجب أن يُبنى على التوافق الوطني والشراكة الواسعة لا على احتكار السلطة أو توظيف الدين في الصراع السياسي.
إن نجاح المجتمع المدني والقوى السياسية في التصدي لمحاولات إعادة تدوير الأزمات القديمة لا يمثل انتصاراً لفئة بعينها، بل خطوة ضرورية نحو استعادة الدولة السودانية وبناء مشروع وطني جامع. فالسودان الذي أنهكته الحروب والصراعات يحتاج اليوم إلى قوى تدفع باتجاه السلام والاستقرار والتنمية، لا إلى إعادة إنتاج التجارب التي ساهمت في تعميق الانقسامات وإضعاف مؤسسات الدولة. ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة السودانيين، بمختلف مكوناتهم، على حماية تطلعاتهم نحو مستقبل أكثر عدالة واستقراراً، بعيداً عن دوائر الاستقطاب التي أثبتت فشلها مراراً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.