إضراب المعلمين يضع “سلطة الأمر الواقع” أمام المحك الاقتصادي

​تقرير ـ عين الحقيقة

​تواجه حكومة بورتسودان، “سلطة الأمر الواقع” أو ما يُطلق عليها “حكومة الأمل” برئاسة كامل إدريس، أزمة هيكلية متصاعدة عقب الدخول المفاجئ للقطاع التعليمي في إضراب شامل ومفتوح بدأ مطلع الشهر الجاري.
وتأتي هذه الخطوة التصعيدية لتضع الجهاز التنفيذي في مواجهة مباشرة مع حزمة من التحديات الاقتصادية، يتصدرها الانفلات المتسارع في أسعار صرف الدولار الأمريكي في السوق الموازية، وتآكل القوة الشرائية للمؤسسات والأفراد.
​وفي الوقت الذي تبذل فيه الكوادر التعليمية جهوداً حثيثة لاستمرار العملية التربوية رغم ظروف الحرب الضروس الدائرة في البلاد، فإن تفاقم الفجوة بين الأجور ومعدلات التضخم قاد إلى شلل تام في المدارس والمرافق التعليمية بالولايات.
ويطالب المضربون برفع فوري للحد الأدنى للأجور ليصل إلى 600 ألف جنيه سوداني، كشرط أساسي لتعليق الإضراب والعودة إلى قاعات الدراسة، معتبرين أن الصيغ الحالية لإدارة الأجور لم تعد تضمن الحد الأدنى من مقومات البقاء.
​سياسة “رد الفعل” وتأثير التضخم على هيكل الأجور
​تُشير المعطيات الحالية في العاصمة المؤقتة بورتسودان إلى أن السياسات النقدية والمالية المتبعة تخضع لآلية رد الفعل المباشر دون الاستناد إلى رؤية استراتيجية واضحة؛ وهو ما تجلى مؤخراً في التراجع السريع عن قرارات حظر السلع وفك الإيقاف خلال أيام وجيزة لمواجهة شح الأسواق. هذا التخبط انعكس سلباً على قيمة العملة الوطنية، حيث يواصل الدولار صعوده القياسي أمام الجنيه، متسبباً في إفقاد المرتبات الحكومية قيمتها الفعلية فور صدورها.
​ويرى مراقبون اقتصاديون أن “حكومة الأمل” باتت تعتمد على تقديرات لحظية لمواجهة الأزمات، في حين يغيب التنسيق بين وزارة المالية والبنك المركزي لوضع مسوغ اقتصادي استراتيجي يوقف النزيف الحاصل في الأسواق ويوفر الموارد اللازمة لتغطية الالتزامات الحتمية، وفي مقدمتها مرتبات العاملين بالخدمة المدنية.
​وتكشف إحصاءات قطاع التعليم عن مفارقات حادة في هيكل الرواتب؛ إذ يتقاضى المعلم في الدرجة الثالثة أو التاسعة، والذي يعول أسرة مكونة من أربعة أفراد، مرتباً شهرياً لا يتجاوز 140 ألف جنيه سوداني (ما يعادل نحو 30 دولاراً أمريكياً فقط)، مع استمرار أزمة تأخر الصرف الإداري التي تمتد في بعض الأحيان إلى 40 يوماً للشهر الواحد.
​هذا العجز في سداد الحقوق دفع بالمعلم السوداني إلى حافة الانهيار المعيشي، حيث تعادل اليومية الفعلية للراتب نحو 15 قطعة من الخبز الجاف فقط.
ووفقاً لبيانات نقابية، فإن التلويح بالإضراب قوبل في فترات سابقة بعبارات الوعيد الإداري والتهديد بالمساءلة، وهو ما فاقم من حالة الاحتقان النفسي والمهني داخل الأوساط التعليمية، ودفع بالمعلمين إلى التمسك بمطلب الـ 600 ألف جنيه كحد أدنى لا يقبل المساومة، لتعويض التيبس الكامل في حركة الأسواق والقدرة على مجاراة متطلبات الحياة اليومية مقارنة بالمهن العمالية والحرفية الأخرى.
​أزمة توزيع الموارد وبورصة الحوافز الإدارية
​بموازاة أزمة مرتبات التعليم، تثير التقارير المالية المتداولة بشأن بنود “الحوافز والمكافآت” داخل دهاليز وزارة المالية والوحدات الإدارية بالولايات انتقادات واسعة.
وتشير مصادر مطلعة إلى وجود رصد استثنائي للحوافز الممنوحة لكبار المسؤولين ومدراء المكاتب والإدارات العامة منذ يناير 2026 وحتى منتصف يونيو الجاري، وهي المبالغ التي تُصرف بانتظام وبأثر رجعي تحت غطاء كشوفات الاجتماعات واللجان المشتركة، في وقت تتذرع فيه الدولة بنقص السيولة عند التعامل مع الملفات الإنسانية وعلاج المعلمين المرضى بالولايات.
​وتضع هذه المفارقات أداء وزير المالية ورئيس الوزراء تحت مجهر المساءلة الشعبية والنقابية، خاصة عند مقارنة الامتيازات اللوجستية وحوافز الوقود والسائقين المخصصة للمناصب الدستورية والتنفيذية العليا – والتي تُدار في كثير من الأحيان بآليات ترتبط بأسعار الصرف الأجنبي في مقار الإقامة والفنادق – بالوضع المعيشي المتدني لمدراء المدارس الثانوية ومربي الأجيال.
​في ظل الارتفاع غير المنضبط لأسعار السلع الأساسية وسيطرة المضاربين على أسواق العملة، يطالب الشارع السوداني والكيانات المهنية بضرورة تدخل الأجهزة الرقابية لضبط الأسواق وتفكيك شبكات الجشع التي تستغل غياب الرقابة الحكومية الفاعلة.
​وتحمل النقابات التعليمية رئيس الوزراء ووزير المالية المسؤولية الكاملة عن التبعات الكارثية لاستمرار إضراب المعلمين على مستقبل العام الدراسي؛ حيث باتت المطالبة بعقلية إدارية تتقي الله في المواطن وتدير موارد الدولة بإنصاف، هي المخرج الوحيد لفك القيد الحالي والعبور بالبلاد إلى بر الأمان والاستقرار الاجتماعي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.