أثار إعلان قائد كتائب البراء بن مالك، المصباح أبو زيد طلحة، عزمه زيارة مخيم كيرياندونغو للاجئين السودانيين في أوغندا موجة غضب واسعة وسط اللاجئين، الذين اعتبروا الخطوة محاولة مستفزة لاقتحام مساحة إنسانية يُفترض أن تظل بعيدة عن صخب الحرب وأطرافها.
وفي بيان شديد اللهجة صدر أمس، أعلن المكتب القيادي لمجتمع اللاجئين السودانيين بالمخيم رفضه القاطع للزيارة، مؤكداً أن اللاجئين الذين وصلوا إلى أوغندا لم يغادروا السودان طوعاً أو بحثاً عن حياة أفضل، وإنما فراراً من حرب مزقت البلاد، وبددت أحلام الملايين، وأجبرت الأسر على ترك منازلها وممتلكاتها والبحث عن ملاذ آمن خارج الحدود.
وحمل البيان رسالة سياسية وإنسانية واضحة مفادها أن معسكرات اللجوء ليست ساحات مفتوحة لتحركات قادة الحرب، ولا منصات للعلاقات العامة أو تلميع الصورة، وأن الضحايا الذين دفعوا أثماناً باهظة للنزاع ليسوا بحاجة إلى خطابات جديدة من أطراف ارتبطت أسماؤها بمشهد الحرب الدامي في السودان.
وأكد المكتب القيادي أن أي زيارة من هذا النوع، مهما قُدمت تحت لافتة العمل الإنساني أو التضامن الاجتماعي، ستظل في نظر كثير من اللاجئين خطوة تفتقر إلى الحساسية تجاه معاناة عشرات الآلاف ممن فقدوا ذويهم ومصادر رزقهم واستقرارهم بسبب الحرب المستمرة.
ولا يقتصر الغضب داخل المخيم على شخص المصباح أبو زيد، بل يمتد إلى فكرة ملاحقة قادة الحرب للضحايا حتى في أماكن لجوئهم. فبالنسبة للاجئين الذين قطعوا آلاف الكيلومترات بحثاً عن الأمان، تمثل رؤية شخصيات مرتبطة بأطراف النزاع داخل المخيمات تذكيراً مؤلماً بالمأساة التي سعوا إلى الهروب منها.
وفي إفادة خاصة لـ«عين الحقيقة»، قال لاجئ سوداني يقيم بمخيم كيرياندونغو، فضّل حجب اسمه لدواعٍ أمنية، إن كثيراً من اللاجئين يشعرون بأن بعض قادة الحرب لا يدركون حجم الكارثة التي خلّفها النزاع على حياة المدنيين.
وأضاف: «هناك أسر فقدت كل شيء؛ أطفال أصبحوا أيتاماً، ونساء ترمّلن، وشباب انقطعت دراستهم وتبددت أحلامهم بسبب الحرب. لذلك من الطبيعي أن يرفض الناس أي محاولة لنقل رموز الصراع إلى داخل المخيم. نحن لم نأتِ إلى هنا لنستمع إلى السياسيين أو العسكريين، بل جئنا لأننا لم نجد مكاناً آمناً في وطننا».
وتابع: «إذا كانت هناك رغبة حقيقية في مساعدة اللاجئين، فالأولى العمل من أجل وقف الحرب وتهيئة الظروف لعودة الناس إلى ديارهم، لا تنظيم زيارات تثير الانقسام وتعيد فتح الجراح».
ويقول مراقبون إن ردود الفعل الغاضبة تعكس اتساع الفجوة بين الخطاب الذي تتبناه بعض القوى المنخرطة في النزاع والواقع القاسي الذي يعيشه ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها. فبينما تتحدث أطراف الحرب عن المكاسب العسكرية والمواقف السياسية، يخوض اللاجئون معركة يومية من أجل البقاء والحصول على الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.
كما يثير الجدل الدائر تساؤلات جدية بشأن حدود النشاط السياسي والعسكري داخل معسكرات اللجوء، لا سيما أن القوانين المنظمة لشؤون اللاجئين في أوغندا تحظر ممارسة الأنشطة السياسية التي قد تهدد السلم الاجتماعي أو تعرض اللاجئين لمخاطر أمنية.
وأكد المكتب القيادي أن اللاجئين السودانيين ليسوا طرفاً في أي مشروع سياسي أو عسكري، وأنهم يرفضون تحويل المخيم إلى ساحة استقطاب بين القوى المتصارعة. كما حمّل الجهات المختصة، بما في ذلك مكتب رئيس الوزراء الأوغندي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مسؤولية أي تداعيات قد تنجم عن الزيارة إذا تمت.
وتتجاوز رسالة اللاجئين مجرد الاعتراض على زيارة بعينها؛ فهي صرخة احتجاج ضد استمرار الحرب نفسها، وضد محاولات تمديد نفوذها إلى المجتمعات التي دفعت أثمانها الباهظة. فبالنسبة لسكان كيرياندونغو، لا تمثل المخيمات مجرد تجمعات بشرية، بل مساحة أخيرة للنجاة من جحيم النزاع.
وفي وقت يقترب فيه عدد السودانيين الذين شردتهم الحرب من مستويات غير مسبوقة، يصر اللاجئون على أن احترام معاناتهم يبدأ بإبعادهم عن الاستقطاب السياسي والعسكري، وأن أفضل ما يمكن أن يقدمه قادة الحرب للضحايا هو العمل على إنهاء الحرب نفسها، لا ملاحقة الناجين منها إلى مخيمات اللجوء.
في كيرياندونغو، لا يطلب اللاجئون أكثر من حقهم في الأمان بعد أن سلبتهم الحرب منازلهم وأحلامهم وأحباءهم. ويؤكدون أن احترام معاناتهم يبدأ بإبعاد المخيمات عن صراعات السلاح والسياسة، وتركها مساحة للنجاة، لا امتداداً لساحات الحرب التي فروا منها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.