عاد ما يُسمى بـ«الحوار الوطني» إلى واجهة المشهد السوداني، عقب إعلان قائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بدء حوار مع ما وصفها بـ«القوى الوطنية»، بهدف استكمال مؤسسات الحكم وتشكيل المجلس التشريعي.
وتأتي الخطوة بينما لا تزال الحرب مستمرة، والبلاد غارقة في انقسام سياسي وعسكري وأزمة إنسانية عميقة. وبينما تقدم السلطة المبادرة باعتبارها مساراً سياسياً مستقلاً، تطرح الخطوة أسئلة جوهرية حول أطراف الحوار، وأجندته، ومعايير المشاركة، والجهة التي ستحدد مخرجاته، وما إذا كان الهدف إنهاء الحرب أم إعادة ترتيب السلطة في ظل موازين القوة التي أفرزها الصراع.
حوار تحت سقف الحرب
المفارقة الأولى أن الحوار ينطلق بينما الحرب لم تتوقف، ولم تتوصل الأطراف إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار.
وفي مثل هذه البيئة، لا تجري السياسة بعيداً عن موازين القوة العسكرية. فالطرف الذي يملك أدوات الدولة والحماية الأمنية يدخل أي عملية سياسية من موقع أقوى من القوى المدنية والمجتمعية التي أضعفتها الحرب وشتتتها موجات النزوح.
ومن هنا، فإن استكمال مؤسسات الحكم في ظل استمرار القتال قد يتحول من خطوة لبناء الدولة إلى وسيلة لمنح السلطة القائمة غطاءً مؤسسياً جديداً.
فإذا كان الهدف الحقيقي هو إنهاء الحرب، فمن الطبيعي أن تكون قضايا وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، ومعالجة جذور الصراع، في قلب العملية السياسية، لا أن يتقدم تشكيل المؤسسات عليها.
«القوى الوطنية».. من يملك صك الوطنية؟
يثير استخدام مفهوم «القوى الوطنية» من دون معايير معلنة لتحديد المشاركين جدلاً واسعاً، خصوصاً مع إعلان البرهان استبعاد من قال إن «أيديهم تلطخت بدماء الشعب السوداني».
ولا خلاف على ضرورة عدم تحويل الحوار إلى ملاذ لمن تثبت مسؤوليته عن جرائم وانتهاكات، لكن السؤال هو: من يحدد المسؤولية؟
فإذا كان الاستبعاد يستند إلى أحكام قضائية ومعايير قانونية واضحة، فإن الأمر يصبح قابلاً للنقاش. أما إذا تُرك لتقديرات سياسية، فقد يتحول معيار «الوطنية» إلى أداة لإقصاء الخصوم وإعادة تشكيل المشهد السياسي وفق شروط السلطة.
والحوار الذي يبدأ بتحديد من يحق له المشاركة وفق معايير غير واضحة، يخاطر بأن يصبح عملية انتقائية قبل أن يبدأ.
استقلال الحوار.. المفارقة الأكبر
يؤكد البرهان أن الحوار مستقل، وأن الدولة لن تتدخل في أجندته أو مخرجاته، بينما أعلنت الدولة في الوقت نفسه توفير الضمانات القانونية والسياسية والأمنية للمشاركين.
وهنا تبرز أسئلة مباشرة: من يدير الحوار؟ ومن يختار المشاركين؟ ومن يحدد أجندته؟ ومن يضمن تنفيذ مخرجاته؟
فالاستقلال لا يبدأ عند إعلان النتائج، وإنما منذ تأسيس العملية نفسها.
وإذا كانت المبادرة صادرة عن قيادة الدولة والقوات المسلحة، فإن إثبات استقلالها يحتاج إلى آليات مستقلة وشفافة لإدارة الحوار، واختيار المشاركين، وصياغة الأجندة، واتخاذ القرارات.
وإلا فإن «استقلال الحوار» قد يبقى شعاراً سياسياً أكثر منه واقعاً مؤسسياً.
المجلس التشريعي.. تمثيل أم شرعنة للأمر الواقع؟
يرتبط الحوار بإعلان استكمال مؤسسات الحكم، وفي مقدمتها تشكيل المجلس التشريعي، لكن تشكيل مؤسسة تشريعية في ظل الحرب يفتح سؤالاً أساسياً حول شرعيتها.
ففي غياب انتخابات حرة وشاملة، تحتاج أي مؤسسة انتقالية إلى توافق واسع وآلية اختيار شفافة تمنع طرفاً واحداً من فرض تركيبتها.
أما إذا تشكل المجلس في إطار عملية تجري تحت نفوذ السلطة القائمة، فقد يتحول من مؤسسة انتقالية إلى وسيلة لإضفاء شرعية سياسية على واقع فرضته الحرب.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: من يختار أعضاء المجلس، ولمن يمثلون؟
فالشرعية لا تأتي من تشكيل المؤسسة، وإنما من الطريقة التي تشكلت بها.
الدعم السريع.. سقف التفاوض قبل أن يبدأ
يزيد موقف البرهان الرافض لعودة قيادة قوات الدعم السريع إلى السلطة من تعقيد أي تسوية سياسية.
فإعلان شروط مسبقة قبل بدء الحوار يعني أن بعض القضايا قد تكون محسومة من طرف واحد، بينما يفترض أن تتيح العملية السياسية مساحة للتفاوض حول الملفات الخلافية.
وفي المقابل، فإن معالجة قضية الدعم السريع لا يمكن اختزالها في المشاركة السياسية، بل ترتبط بمستقبل السلاح، وإعادة بناء الجيش، وإنهاء تعدد القوات المسلحة، وضمان خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية.
وهذه الملفات تمثل جوهر الأزمة، ولا يمكن لحوار جاد أن يضعها على الهامش.
العدالة.. ضمانات أم حصانات؟
يطرح إعلان تعليق الإجراءات الجنائية بحق بعض المشاركين أسئلة حول حدود الضمانات القانونية والسياسية.
قد تكون الضمانات ضرورية لتوفير بيئة تسمح بالمشاركة، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى حصانات تمنع التحقيق أو المحاسبة.
وفي المقابل، لا يجوز استخدام الإجراءات القانونية بصورة انتقائية لإقصاء الخصوم.
ولهذا، فإن أي عملية سياسية جادة تحتاج إلى الفصل بين حق المشاركة السياسية وحق الضحايا في العدالة.
فالحوار ليس محكمة، لكنه أيضاً لا ينبغي أن يصبح منطقة مغلقة أمام المحاسبة.
من يمثل السودان؟
لا يمكن أن يكتسب الحوار صفة «الوطنية» إذا اقتصر على القوى السياسية التقليدية أو الأطراف الأكثر قرباً من السلطة.
السودان اليوم يضم ملايين النازحين واللاجئين، والشباب والنساء، والقوى المدنية والمهنية، والنقابات، والقيادات المحلية، والمجتمعات التي دفعت الثمن الأكبر للحرب.
هؤلاء ليسوا مجرد جمهور يُستدعى لمنح الحوار غطاءً شعبياً، وإنما أصحاب مصلحة أصليون في تحديد مستقبل البلاد.
والمشاركة الحقيقية لا تعني الجلوس حول الطاولة فقط، وإنما امتلاك القدرة على التأثير في الأجندة والقرارات والمخرجات.
الخطر الأكبر.. إعادة إنتاج التسوية النخبوية
تجارب السودان السابقة تقدم سبباً إضافياً للحذر. فقد شهدت البلاد مؤتمرات واتفاقات وحوارات عديدة، لكن كثيراً منها انتهى إلى إعادة توزيع السلطة بين النخب، من دون معالجة جذور الصراع المتعلقة بالسلاح والحكم والعلاقة بين المدنيين والعسكريين.
ولهذا، فإن السؤال ليس ما إذا كان السودان يحتاج إلى الحوار، وإنما: أي حوار يحتاجه؟
هل هو حوار لتقاسم المقاعد والمناصب، أم حوار لإعادة تأسيس الدولة؟
فالسودانيون لا يحتاجون إلى مجلس جديد وحكومة جديدة فقط، وإنما إلى قواعد جديدة تمنع تكرار الحرب والانقلاب على السياسة بالقوة.
الخلاصة.. حوار للسلام أم إعادة ترتيب للسلطة؟
المشكلة في مسار البرهان ليست في الحوار باعتباره وسيلة سياسية، وإنما في الطريقة التي يُطرح بها، والظرف الذي يجري فيه، والجهة التي تملك مفاتيحه، والنتائج التي يمكن أن يخدمها.
فحوار يبدأ من السلطة القائمة، ويجري بينما الحرب مستمرة، ويتزامن مع استكمال مؤسسات الحكم، ويترك قضايا السلاح والعدالة والعلاقة بين الجيش والسلطة المدنية معلقة، قد يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة بدلاً من إنهاء أسباب الأزمة.
فالشرعية لا تأتي من الاسم، والاستقلال لا تثبته التصريحات، والوطنية لا تمنحها السلطة، والمجلس التشريعي لا يصبح شرعياً بمجرد تشكيله.
إذا كان الحوار سيقود إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، ومعالجة قضية السلاح، وضمان العدالة، وفتح الطريق أمام حكم مدني ديمقراطي، فإنه يمكن أن يمثل فرصة حقيقية.
أما إذا انتهى إلى إعادة ترتيب مؤسسات السلطة في ظل استمرار الحرب، فقد يتحول «الحوار الوطني» إلى واجهة سياسية لإضفاء الشرعية على واقع قائم فرضته الحرب.
وفي النهاية، السؤال ليس: هل يتحاور السودانيون؟
بل: من يتحاور مع من؟ وتحت أي شروط؟ ومن يملك تحديد المخرجات؟ ومن يضمن تنفيذها؟ وهل يقود الحوار إلى إنهاء الحرب، أم إلى إعادة توزيع السلطة بين مراكز القوة القائمة؟
فهذه الأسئلة وحدها ستحدد ما إذا كان المسار المطروح طريقاً نحو السلام، أم مجرد إعادة إنتاج للأزمة بواجهة سياسية جديدة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.