تراجع الظهور العلني لقيادات “البراء بن مالك” يثير تساؤلات حول مستقبل الشبكة التنظيمية وعلاقتها بالمشهد العسكري
تقرير: عين الحقيقة
تشهد الساحة السودانية تحولات لافتة في حضور المجموعات الإسلامية المتحالفة مع الجيش، بالتزامن مع تصاعد الضغوط والعقوبات الدولية المفروضة على شخصيات وكيانات مرتبطة بالحركة الإسلامية. وبينما تبدو هذه التحركات للوهلة الأولى تراجعاً في الوجود العسكري والإعلامي لبعض الكتائب، يرى مراقبون أنها قد تمثل إعادة تموضع تكتيكية أكثر من كونها انسحاباً فعلياً من المشهد.
ووفقاً لما أوردته العين الإخبارية، غادر عدد من القيادات البارزة في كتيبة “البراء بن مالك” السودان إلى وجهات خارجية، في مقدمتها الصين وتركيا. وأعلن قائد الكتيبة، المصباح أبو زيد، في تدوينة، ما وصفه بـ”العودة إلى الحياة المدنية” بعد توجهه إلى الصين، فيما غادر قياديون آخرون، بينهم أويس غانم والناجي عبد الله، إلى تركيا. وتزامنت هذه التحركات مع تعليمات من قيادة هيئة أركان الجيش السوداني تقضي بحظر رفع الشعارات والرايات الإسلامية في مناطق العمليات، وإلزام المجموعات المساندة بالعمل تحت مظلة ما يعرف بـ”المقاومة الشعبية”، في خطوة يربطها محللون بمحاولات إعادة تنظيم العلاقة بين الجيش والقوات المساندة له.
ضغوط دولية متزايدة
تأتي هذه التطورات بعد سلسلة من الإجراءات الدولية التي استهدفت شخصيات وكيانات مرتبطة بالحرب في السودان، بما في ذلك عقوبات أمريكية وأوروبية على كتيبة “البراء بن مالك” وعدد من قيادات الحركة الإسلامية، إلى جانب إجراءات طالت مسؤولين عسكريين سودانيين. ويرى مراقبون أن هذه العقوبات رفعت كلفة الظهور العلني للمجموعات ذات الخلفية الأيديولوجية، ودفعها إلى مراجعة أساليب عملها، سواء من خلال تقليل الحضور الإعلامي أو إعادة توزيع القيادات خارج السودان.
قراءة سياسية
ويقول القيادي في تحالف تأسيس السودان، حسب النبي، إن قيادة الحركة الإسلامية عقدت اجتماعات في تركيا أفضت، بحسب روايته، إلى الدفع بقيادات أقل ظهوراً إلى الواجهة، مع بقاء القيادات التاريخية في مواقع التأثير من خلف الكواليس. وأضاف أن مغادرة بعض القيادات أو إعلانها الابتعاد عن العمل العسكري “لا تعني انتهاء دورها السياسي أو التنظيمي، وإنما قد تكون جزءاً من إعادة ترتيب الأدوار في ظل الضغوط الدولية”.
وفي السياق نفسه، يرى القيادي في الحزب الشيوعي السوداني كمال كرار أن العقوبات الأمريكية دفعت الحركة الإسلامية إلى اتباع ما وصفه بـ”تغيير الشكل دون تغيير الشبكة”، معتبراً أن بعض العناصر قد تظهر مستقبلاً بصفات مدنية أو اقتصادية بدلاً من الواجهة العسكرية، مع استمرار شبكات الدعم والتنظيم، بحسب تقديره.
المشهد معقّد
ويقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية الدكتور أحمد بان، في إفادة لـعين الحقيقة، إن الضغوط الدولية غالباً ما تدفع التنظيمات العقائدية إلى تغيير أساليب عملها أكثر من تغيير أهدافها. وأضاف أن “الانتقال من الواجهة العسكرية إلى الواجهات المدنية أو الاجتماعية، إذا حدث، يمثل أحد الأنماط التي تلجأ إليها بعض التنظيمات للحفاظ على شبكاتها وتقليل الضغوط، لكن تقييم أي حالة يتطلب أدلة موثقة تتجاوز المؤشرات الظاهرة”.
من جانبه، يرى المحلل السياسي الدكتور خالد التجاني النور، في حديث لـعين الحقيقة، أن التعليمات المتعلقة بتوحيد المجموعات المسلحة تحت مظلة واحدة قد تعكس أيضاً رغبة المؤسسة العسكرية في تقليل تعدد مراكز القرار العسكري وتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي. وأضاف أن “أي تغيير في العلاقة بين الجيش والمجموعات المساندة سيظل مرهوناً بمسار الحرب، وبطبيعة الضغوط السياسية والدبلوماسية التي تواجهها الخرطوم خلال المرحلة المقبلة”.
إعادة تموضع أم تغيير حقيقي؟
ويذهب عدد من المراقبين إلى أن مغادرة بعض القيادات إلى الخارج، إلى جانب تراجع الظهور الإعلامي، لا تكفي وحدها للجزم بحدوث تحول جذري في بنية الحركة الإسلامية أو نفوذها داخل المشهد السوداني، وإنما قد تعكس تغيراً في التكتيكات وأساليب العمل في ظل بيئة سياسية وأمنية أكثر تعقيداً. وفي المقابل، يرى آخرون أن استمرار العقوبات واتساع الضغوط الدولية قد يفرض على هذه المجموعات مراجعات أعمق خلال الفترة المقبلة، خصوصاً إذا ارتبطت أي تسوية سياسية مستقبلية بشروط تتعلق بإعادة هيكلة التشكيلات المسلحة وتعزيز سيطرة الدولة على العمل العسكري. ويبقى مستقبل هذه التحركات مرتبطاً بتطورات الحرب، ومسار الضغوط الدولية، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى المسلحة المساندة لها، وهي ملفات ستظل حاضرة بقوة في المشهد السوداني خلال المرحلة المقبلة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.