Sudanese vendors sell vegetables in the central market of Khartoum on June 10, 2019, as most of the shops and businesses remained shut. - Residents generally stayed indoors in the Sudanese capital on June 11 as a nationwide civil disobedience campaign aimed at pressuring the military rulers entered a third day. (Photo by Ashraf SHAZLY / AFP) (Photo credit should read ASHRAF SHAZLY/AFP via Getty Images)

رفع الدولار الجمركي.. حكومة بورتسودان تنقل أزمتها إلى جيوب المواطنين

تقرير: عين الحقيقة

 

في خطوة جديدة من شأنها زيادة الأعباء المعيشية على المواطنين، رفعت هيئة الجمارك التابعة لحكومة بورتسودان سعر الدولار الجمركي إلى 3517 جنيهاً، مقارنة بـ3395 جنيهاً في السابق، بنسبة زيادة بلغت نحو 3.5%، وذلك في ثالث تعديل منذ بداية عام 2026.

ويأتي القرار في وقت يشهد فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، حيث يواصل الجنيه السوداني تراجعه أمام العملات الأجنبية، بينما تتصاعد معدلات التضخم وتتآكل القوة الشرائية للمواطنين بصورة غير مسبوقة.

ويرى مراقبون أن رفع الدولار الجمركي يمثل محاولة جديدة من السلطات لتعويض تراجع الإيرادات العامة عبر زيادة الرسوم والجبايات المرتبطة بالاستيراد، بدلاً من معالجة الاختلالات الهيكلية التي قادت إلى الأزمة الاقتصادية الحالية.

المواطن يدفع الفاتورة

ومن المتوقع أن ينعكس القرار بصورة مباشرة على أسعار السلع المستوردة، خاصة المواد الغذائية والأدوية ومدخلات الإنتاج وقطع الغيار، وهي قطاعات تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الخارجية.

ويؤكد تجار ومستوردون أن أي زيادة في الدولار الجمركي تتحول تلقائياً إلى زيادة في تكلفة السلع داخل الأسواق، ما يعني أن المواطن السوداني سيكون الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر للقرار، في وقت تعاني فيه الأسر من تراجع الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.

ويخشى اقتصاديون أن تؤدي الزيادة الجديدة إلى موجة ارتفاعات إضافية في الأسواق، خصوصاً مع استمرار اضطراب سلاسل الإمداد وتراجع النشاط الاقتصادي بسبب الحرب.

أين تذهب الموارد؟

ويطرح القرار تساؤلات متزايدة حول أولويات الإنفاق العام في مناطق سيطرة حكومة بورتسودان. فبينما تتوسع السلطات في فرض الرسوم والضرائب ورفع الدولار الجمركي، لا تبدو هناك مؤشرات واضحة على تبني برنامج اقتصادي متكامل يهدف إلى استقرار العملة أو دعم الإنتاج أو تخفيف الأعباء عن المواطنين.

ويرى منتقدون أن الحكومة تتجه بصورة متزايدة نحو تعظيم الإيرادات السهلة والسريعة عبر الجمارك والضرائب والرسوم المختلفة، بدلاً من تنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية تستهدف زيادة الإنتاج والصادرات ومحاربة الفساد وترشيد الإنفاق الحكومي.

ويشير هؤلاء إلى أن المواطن أصبح الحلقة الأضعف في معادلة الحرب، حيث يدفع تكلفة التدهور الاقتصادي من دخله المحدود، بينما تستمر النفقات المرتبطة بالمجهود الحربي والتوسع الأمني والعسكري في استنزاف الموارد العامة.

الحرب والاقتصاد.. معادلة مختلة

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعرض الاقتصاد السوداني لضربات متلاحقة شملت تراجع الإنتاج، وتوقف آلاف المصانع والمشروعات، وانخفاض الصادرات، وتقلص الإيرادات العامة.

لكن بدلاً من التركيز على إعادة بناء الاقتصاد وتحفيز النشاط الإنتاجي، يرى مراقبون أن السياسات المالية الحالية لا تزال تركز على زيادة الجبايات والرسوم كوسيلة لسد العجز المالي، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار ومستوى معيشة المواطنين.

كما تتصاعد الانتقادات الموجهة للسلطات بسبب استمرار الإنفاق على شراء الأسلحة والمسيّرات والاحتياجات العسكرية المختلفة، في وقت تواجه فيه قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية أوضاعاً متدهورة ونقصاً حاداً في التمويل.

ويعتقد خبراء أن أي استقرار اقتصادي حقيقي لن يتحقق عبر رفع الرسوم أو زيادة الدولار الجمركي، وإنما من خلال وقف نزيف الحرب وتوجيه الموارد نحو الإنتاج والخدمات والإصلاح المؤسسي، إلى جانب استعادة الثقة في النظام المالي والنقدي.

مستقبل أكثر صعوبة

ويبدو أن قرار رفع الدولار الجمركي لن يكون الأخير في ظل استمرار تدهور سعر الصرف، الذي وصل فيه سعر الدولار إلى 5200 جنيه في السوق الموازية، مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، الأمر الذي يثير مخاوف من زيادات جديدة خلال الفترة المقبلة.

وبالنسبة للمواطن السوداني، فإن النتيجة تبدو واضحة: أسعار أعلى، وقدرة شرائية أقل، وأعباء معيشية تتزايد يوماً بعد يوم.

وفي ظل غياب رؤية اقتصادية شاملة تعالج جذور الأزمة، يخشى كثيرون أن تتحول مثل هذه القرارات إلى مجرد مسكنات مالية مؤقتة للحكومة، بينما تستمر معاناة المواطنين وتتسع دائرة الفقر والعوز في بلد أنهكته الحرب وأثقلته الأزمات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.