سجل العنف الخفي: كيف تطور “النظام الخاص” للإخوان من أزقة القاهرة إلى “الخطة ج” في السودان؟
تقرير ـ عين الحقيقة
أعادت حادثة توقيف الصحفي قرشي عوض بولاية نهر النيل مؤخراً—عقب تصريحاته حول ما أسماه “الخطة ج” وتلميحه لوجود سيناريوهات تفجير وتصعيد لإرباك المشهد السياسي—فتح واحد من أكثر الملفات قتامة وحساسية في تاريخ الشرق الأوسط: ملف العنف المسلح والاتهامات الموجهة لجماعة الإخوان المسلمين والتيارات المرتبطة بها باللجوء إلى خيار الحسم الموازي.
فعلى مدى يقارب القرن، يظل الاتهام المحوري الموجه للجماعة متمثلاً في “الازدواجية الهيكلية”؛ أي السعي في العلن للحصول على الشرعية السياسية والانتخابية، مع الاحتفاظ بآليات ضغط مسلحة في الخفاء يُستدعى بعضها كلما واجه التنظيم انسداداً سياسياً أو تهديداً لنفوذه.
”النظام الخاص”.. بذور التصفيات والتفجيرات الأولى
و شكلت أربعينيات القرن الماضي النقطة المفصلية التي انتقلت فيها الجماعة من طور الحركة الدعوية والاجتماعية إلى طور التنظيم المسلح المغلق، عبر تأسيس ما عُرف بـ “النظام الخاص” (أو التنظيم السرّي).
وارتبطت تلك المرحلة بسلسلة تفجيرات استهدفت دور سينما ومحلات تجارية ومؤسسات عامة، إلى جانب نسف محلات في حارة اليهود بالقاهرة لإشاعة الفوضى الضاغطة على السلطة.
ولم تتوقف العمليات عند التفجيرات، بل امتدت إلى التصفية المباشرة لشخصيات بارزة، كان من أهمها اغتيال القاضي أحمد الخازندار، ثم اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي عام 1948 إثر إصداره قراراً بحل الجماعة.
وجاءت قضية “سيارة الجيب” الشهيرة لتكشف عن وثائق وخطط لتفجير منشآت حيوية واغتيال قيادات، لتصل هذه المرحلة ذروتها بمحاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في حادثة المنشية بالأسكندرية عام 1954، وهي الأحداث التي أسست لمفهوم العمليات السرية وتكتيك زرع العبوات والتفجيرات كأداة لإشاعة الفوضى والضغط على السلطة.
حاضنة الانشقاق.. من المراجعات إلى تفجيرات الثمانينات
و مع حملات الاعتقال والمواجهة الأمنية في عهدي الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، شهدت السجون تحولات فكرية بارزة باستدعاء أفكار السيد قطب حول “الحاكمية” و”جاهلية المجتمع”. ورغم محاولة القيادات التقليدية النفي الظاهري لممارسة العنف، إلا أن الرحم الفكري للجماعة شهد خروج أعتى التنظيمات الراديكالية.
فقد انبثقت حركات مسلحة صريحة مثل “تنظيم الجهاد” و”الجماعة الإسلامية” من المظلة الفكرية والتنظيمية ذاتها، متخذة مساراً أعلن القطيعة مع النمط السلمي أو السياسي التقليدي. ومثلت حادثة اغتيال الرئيس السادات عام 1981 ذروة التزاوج بين الفكر القطبي والتخطيط المسلح المباشر لتغيير نظام الحكم.
وامتدت خلال الثمانينات والتسعينات موجة من التفجيرات التي استهدفت الحافلات السياحية والمراكز الأمنية والشخصيات العامة، مما كشف عن تجذر ثقافة العنف لدى الحركات المنبثقة من هذا التيار وحاضنته الفكرية.
التحولات الحديثة.. من “الخلايا النوعية” إلى “الخطة ج” !!
و مع تطور الأسلحة والتكتيكات، تحول نمط العنف من العبوات البدائية والاغتيالات الفردية في الأربعينيات—والتي أدت بحظر الجماعة وحلها لأول مرة—إلى مواجهات أوسع في الثمانينيات استهدفت الاستقرار الاقتصادي والأمني. وصولاً إلى مرحلة ما بعد تحولات الربيع العربي عقب عام 2013، حيث ظهرت تكتيكات أكثر تعقيداً تعتمد على السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية واستهداف البنية التحتية.
وفي السنوات الأخيرة، وفي ظل التراجعات السياسية للتيار في مصر وتونس والسودان، رصدت تقارير أمنية وإعلامية نشاط ما يُعرف بـ “الخلايا النوعية” (مثل كتائب حلوان ولواء الثورة)، وصولاً إلى الكشف عن خطط تسعى لإشعال التفجيرات وإرباك الأجواء في ليبيا والسودان؛ بهدف إعادة فرض الجماعة أو حلفائها كطرف إجباري في أية معادلة سياسية قادمة.
عزلة سياسية وازدواجية هيكلية
و تؤكد هذه الصيرورة التاريخية الممتدة—من تفجيرات القاهرة في الأربعينيات إلى التحذيرات من “الخطة ج” في السودان اليوم—أن الاتهام باللجوء إلى العنف والتفجيرات ليس مجرد سجال سياسي فحسب، بل هو سلوك هيكلي تاريخي يعاود الظهور كلما انسدت أمام الجماعة مسارات السلطة والنفوذ السلمي. وتظل هذه “الازدواجية التنظيمية” العائق الأساسي الذي يمنع ثقة المجتمعات في هذا التيار أو قبوله كشريك سياسي طبيعي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.