إذ قد تبدو الحرب نفسها مرآةً لما استقر داخل هذه النفوس ذاتها، وبالتالي قد يصبح الخراب الخارجي تجليًا لخرابٍ أعمق في باطن كل منا.
وللحقيقة، فإن الحروب الكبرى في ميزان البصيرة ليست سوى مرايا ضخمة يرفعها القدر أمام الأمم كي ترى وجوهها كما هي، لا كما تحب أن تراها أو كما تتخيلها.
فحين تتكسر المرايا الصغيرة، يبعث الله مرآة الدم.
وحين تعجز النصائح والكتب والخطب عن إيقاظ النائمين، تتكلم السنن الكبرى بلغتها الصارمة، فتجعل الأرض نفسها واعظة، وتجعل الدخان درسًا، وتجعل الدمار كتابًا مفتوحًا للمطالعة.
لكن السؤال: أين يقف السودان اليوم أمام هذه المرآة الهائلة؟
فنحن لسنا أمام معركة عابرة، ولا أزمة سياسية عارضة، لكننا أمام لحظة كشف كبرى، انزاحت فيها الأستار عن طبقات عميقة ظلت كامنة في وعينا الجمعي لعقود طويلة.
فالمدن التي احترقت لم تكن وحدها التي تحترق، والبيوت التي نهبت أو تهدمت لم تكن وحدها التي “شفشفت” أو تهاوت.
لقد احترقت أوهام كثيرة، وانهارت أصنام معنوية ظل الناس عاكفين عليها يطوفون حولها لردح من الزمن.
لقد كنا نحب أن نرى أنفسنا شعبًا استثنائيًا منزهًا عن علل الأمم، ونردد حكايات النبل القديم والكرم الموروث والشهامة الفطرية، حتى حسبنا أن هذه الخصال وحدها تكفي لحراسة مستقبلنا.
رغم أن سنن الله لا تحرس الأمم بالأماني، إنما تحرسها بالوعي، وبالمؤسسات، وبالعدل، وبالقدرة الدائمة على مراجعة الذات.
ولهذا جاء النداء الرباني حاسمًا، كأنه يخاطب السودان في هذه اللحظة بعينها:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
إنها ليست آية أخلاقية فحسب، بل هي القانون الأعظم لحركة التاريخ.
إذ أن أي خراب نراه في الخارج لا محالة يبدأ دائمًا من نقطة خفية في الداخل.
كما أن الطغيان لا يولد أولاً في القصور، إنما من داخل نفوس قبلت أن تتصالح مع الخوف.
والاستبداد لا ينشأ من قوة المستبد وحده، لكن من ضعف الذين اعتادوا الانحناء أمامه.
والأقزام الذين يمتطون ظهور الأمم لا يكبرون حقًا، وإنما تنكمش حولهم قامات الشعوب حتى يبدون هم كعمالقة.
لهذا فإن مأساة السودان لم تبدأ يوم دوَّت المدافع ذات سبت، في الخامس عشر من أبريل.
لكنها قد بدأت بالفعل يوم تنازل العقل عن حقه في السؤال، ويوم استقال الضمير من مسؤوليته الفردية، ويوم صار الانتماء للقبيلة أو الجهة أو الحزب أعلى من الانتماء للحقيقة.
عندها فقط بدأت رحلة السقوط الطويل.
أما أولئك الذين تصدروا المشهد، وأداروا مواسم الانقسام، وتاجروا بالخوف والدم والمرارات التاريخية، فهم ليسوا إلا أعراضًا لمرض أعمق.
إنهم تجار الظلال، حراس الكهوف القديمة، أمراء الوهم الذين أدمنوا النفخ في رماد الأحقاد ليمنعوا طلوع الفجر.
لقد عاشوا طويلاً على استلاب الوعي، وعلى تحويل الجماهير إلى جموع مذعورة تبحث عن منقذ، ثم قدموا أنفسهم على أنهم ذلك المنقذ.
لكن سنة الله لا تمنح أحدًا حق احتكار الحقيقة إلى الأبد.
فكل وعي مؤجل سيولد يومًا، وكل شعب مخدر سيستيقظ ذات صباح، وكل عملاق مقيد سيتذكر فجأة طول قامته الحقيقية.
وحين يحدث ذلك، لا تسقط الأقنعة فحسب، بل تسقط معها عروش الوهم كلها.
بيد أن المعركة الحقيقية ليست مع هؤلاء.
إنها معركة الإنسان السوداني مع نفسه.
فالله لم يأمرنا أولاً بتغيير الحكام، ولا بتغيير الجغرافيا، ولا بتغيير العالم، بل أمرنا بتغيير ما بأنفسنا.
وهنا يكمن السر كله.
فالتحول العظيم يبدأ من نقطة داخلنا لا يراها أحد: من قلب يرفض الكراهية رغم وفرة أسبابها، ومن عقل يرفض أن يُستأجر للقطيع، ومن لسان يمتنع عن التحريض ساعة يصرخ الجميع، ومن يد تمتد بالخبز إلى الجائع دون أن تسأله عن قبيلته أو جهته أو موقفه السياسي.
هناك، من تلك الأفعال الصغيرة التي تبدو هامشية، تبدأ حركة التاريخ الجديدة.
لأن عالم الملكوت لا يقيس الأمور بضجيج الشعارات، لكن بصدق التحولات الخفية.
فما من أمة نهضت إلا بعد أن نهض أفرادها أولاً من داخل أنفسهم.
ولذا فإن السودان لا يحتاج اليوم إلى أساطير جديدة، ولا إلى أصنام جديدة، ولا إلى خطباء أكثر صخبًا.
إنه يحتاج فقط إلى شجاعة نادرة:
شجاعة النظر في المرآة،
شجاعة الاعتذار والاعتراف، شجاعة التوبة الجمعية.
شجاعة أن نقول: نعم، لقد أخطأنا حين سلمنا عقولنا لغيرنا، وأخطأنا حين جعلنا الدم لغة للحوار، وأخطأنا حين استبدلنا المواطنة بالعصبية، وأخطأنا حين حسبنا أن الله يغير أحوال الأمم بينما نحن مصرّون على البقاء كما نحن.
وفي الأفق البعيد، خلف هذا الركام كله، يلوح وعد قديم لا يخلفه الله أبدًا.
فكما أن الخراب يبدأ من النفس، فإن الإعمار يبدأ منها أيضًا.
وكما أن السقوط يبدأ من الداخل، فإن النهوض يبدأ من الداخل كذلك.
إذ حين يغيّر السودانيون ما بأنفسهم، سيكتشفون أن هذا الوطن العملاق لم يمت قط، وإنما كان فقط نائمًا تحت أثقال الوهم.
وسيكتشفون أن هذا الليل الطويل لم يكن إلا مخاضًا عسيرًا لفجر جديد.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
ليست مجرد آية تُتلى ليل نهار، إنما هي مفتاح العبور، وسر النهضة، والباب الذي لا يفتح للسودان إلا منه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.