مع دخول النزاع المسلح في السودان مراحل أكثر تعقيداً على الصعيدين العسكري والإنساني، تتوالى المبادرات الإقليمية والدولية، وتتزايد الدعوات إلى هدنة إنسانية عبر المنابر الخارجية، لكنها سرعان ما تبدو بلا صدى حقيقي على أرض الواقع.
وفي خضم هذا المشهد المأزوم، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً في الشارع السوداني: من الذي يقف عائقاً أمام قطار السلام؟ وكيف تحولت المواقف السياسية والعسكرية إلى جدران سميكة تمنع أي اختراق دبلوماسي؟
ميدانياً، تبدو لغة البنادق والمسيّرات الأعلى صوتاً. فالقوات المسلحة تربط أي تقدم في مسار التفاوض بالتنفيذ الصارم لـ«إعلان جدة» الموقع في مايو 2023، والذي ينص على إخلاء قوات الدعم السريع للمدن والمرافق المدنية، بما يمهد لاستعادة سلطة الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها.
وترى القيادة العسكرية، ومعها تيارات إسلامية مؤثرة، أن تقديم أي تنازلات قبل حسم هذا الملف قد يهدد بقاء الدولة ويقوض المنظومتين العسكرية والأمنية.
في المقابل، تتمسك قوات الدعم السريع بخيار التفاوض، متهمةً الجيش بمقاطعة المنابر الدولية، مثل جنيف واجتماعات الإيغاد، والتأثر بتيارات النظام السابق. كما تطرح شروطاً يراها مراقبون تعجيزية، وتسعى من خلالها إلى فرض واقع عسكري وسياسي جديد بقوة السلاح.
وفي معسكر إسناد الدولة والجيش، يبرز موقف الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني كحائط صد قوي أمام أي تسويات قد تفضي إلى إعادة إنتاج الدعم السريع في المشهد السوداني.
هذا التيار، الذي انتقل من التنظير السياسي إلى الفعل الميداني عبر انخراط كوادره الشبابية في جبهات القتال، مثل لواء البراء بن مالك، وقيادة حراك المقاومة الشعبية المسلحة، ينظر إلى الحرب باعتبارها «معركة وجودية» للدولة ومؤسساتها، ويرى أن أي صيغة سلام لا تضمن التفكيك الكامل للتمرد ليست سوى هدنة مؤقتة تؤجل أزمة أكبر.
على الجانب الآخر، يعيش الطيف المدني والسياسي السوداني حالة من الاستقطاب الحاد، أعاقت تشكيل جبهة داخلية موحدة قادرة على ممارسة ضغط فعّال لإنهاء الحرب.
ويواصل تحالف «صمود» تحركاته الدبلوماسية الخارجية للمطالبة بوقف فوري وغير مشروط للعدائيات، لكنه يواجه اتهامات محلية مستمرة بالتقارب مع الدعم السريع، لا سيما بعد التفاهمات السياسية الموقعة بين الطرفين في أديس أبابا.
أما الكتل الوطنية وبعض حركات الكفاح المسلح، فقد حسمت مواقفها بالقتال إلى جانب الجيش، وربطت تحقيق السلام بالانتصار العسكري وإخراج الدعم السريع من المقرات المدنية.
في المقابل، تتمسك القوى الجذرية ولجان المقاومة بشعار «لا للحرب ولا للشراكة مع العسكر»، معتبرةً أن طرفي الصراع يمثلان امتداداً للثورة المضادة، ومطالبةً ببناء سلطة مدنية كاملة من القاعدة إلى القمة.. غير أن منتقدي هذا الطرح يرون أنه يصطدم بواقع الحرب وتعقيداتها في ظل اتساع دائرة القتل والنزوح والانهيار الإنساني.
وسط هذا التجاذب السياسي الحاد، تبقى غرف الطوارئ والمبادرات الشبابية الإنسانية الصوت الأقرب إلى معاناة المواطن اليومية. فبالنسبة لهؤلاء، لا يمثل السلام ترفاً سياسياً أو محاصصة سلطوية، بل يعني إجراءات عاجلة لفتح الممرات الآمنة، ووقف القصف على الأحياء السكنية، وإدخال المساعدات الإنسانية للحد من شبح المجاعة والنزوح المستمر.
وتشير المؤشرات الإقليمية والدولية إلى أن الأزمة السودانية باتت أسيرة معادلة صفرية؛ إذ ينظر كل طرف إلى السلام من زاوية إلغاء الآخر أو فرض شروطه عليه. وفي ظل هذه المعادلة، تبدو دعوات الهدنة المؤقتة مجرد حبر على ورق، ما لم تقترن بإرادة سياسية حقيقية وقدرة عملية على تفكيك عقد الأزمة على الأرض.
ولا يبدو السلام ضحية للحرب وحدها، بل ضحية للحسابات السياسية أيضاً. فكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بوقف القتال، اصطدمت بجدار الشروط المتبادلة والمصالح المتناقضة، ليبقى المواطن السوداني الخاسر الأكبر في حرب يتحدث الجميع عن إنهائها، بينما تواصل الأطراف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إطالة أمدها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.