«إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ».
ليست الكوارث الكبرى هي ما يهدم البيوت، فالبيت المنهار قابل لأن ينهض من أنقاضه ويُبنى من جديد.
وليست الحروب هي ما تحرق الحقول، فالزرع قد يعود إذا هطل المطر.
لكن الكارثة التي لا تُرى هي تلك التي تبدأ في أعماق الروح، حين تنشق التربة التي كانت تحفظ البذور، وتجف الينابيع التي كانت توقظ الضمائر.
هناك، في المسافة بين سويداء الفؤاد والسلوك، تبدأ الأمم بالانهيار قبل أن تسقط العواصم.
فحين أقف اليوم على أطلال السودان، لا أرى حرباً فقط، ولا جنرالات يتنازعون على عرشٍ من قصب، بل أرى سؤالاً قديماً يخرج من جوف الزمن: أيُّهما سبق الآخر؟ الثمرة أم البذرة؟ البيضة أم الدجاجة؟ الحاكم أم المحكوم؟
سؤالٌ يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة بابٌ من أبواب الحكمة.
فالدجاجة تبيض البيضة، ثم تخرج من البيضة دجاجة أخرى، والبذرة تنبت ثمرةً، ثم تعود الثمرة لتحمل في أحشائها بذرة أخرى.
وهكذا تمضي الحياة دواليك، وكذلك الأمم.
السلطة ليست إلا ثمرةً لشجرة ولدت من بذرة، والمجتمع ليس إلا تربةً تُنبت ما أُلقي فيها.
وما بين التربة والثمرة تدور أقدار الشعوب.
قالوا قديماً: «الناس على دين ملوكهم».
وقالوا أيضاً: «كيفما تكونوا يُولَّ عليكم».
فظن البعض أن بين العبارتين تناقضاً، وما دروا أنهما وجهان لعملة واحدة.
الملوك يزرعون، والناس يحصدون، ثم يتحول الحاصدون مع الزمن إلى زارعين، يغرسون في الغد ذات ما جنوه أو حصدوه بالأمس. لتصبح الثمرة بذرة، وتصبح البذرة ثمرة، وهكذا يدور بنا الرحى.
كانت أرض السودان، في أزمنة صفائها الأولى، تشبه حقلاً صوفياً مفتوحاً مباشرة على السماء.
كان الدين يمشي حافي القدمين في الأسواق، ولا يحتاج إلى لافتات.
كان يُرى أن «لا دين بلا عجين»، يتعاطاه الناس في قسمة اللقمة، وفي نجدة الملهوف، وفي ستر العيوب.
كان ذلك التصوف الشعبي العظيم يبني أسواراً غير مرئية حول الوجدان، فيمنع السقوط قبل أن توقع العقوبة.
وكانت كلمة «العيب» أشد حضوراً من ألف قانون.
ثم جاء زمن ظن فيه الإسلاميون أن الإنسان يمكن أن تُعاد صياغته بين أيديهم كما تُصنع الآلات.
أرادوا أن يعيدوا تشكيل الطين دون أن يمر بسر الروح.
أرادوا هندسة النفوس قسراً، وتوحيد القلوب بالأوامر، وصناعة الإيمان بالشعارات.
فاستبدلوا نور المعنى بظل الصورة، وجوهر الدين بقشرته، والسلوك بالهتاف.
ثم اقتلعوا بذور الإحسان القديمة من التربة واحدةً تلو الأخرى.
وما دروا أنك حين تقتل السليقة لا يظهر لك الخراب فوراً.
فالبذرة الميتة قد تقبع تحت التراب سنوات، قبل أن يكتشف الزارع أنها فاقدة خاصية الإنبات، وهكذا حدث ما حدث.
ظل الناس يظنون أن الحقل بخير، بينما كانت الحياة تغادر الجذور في صمت.
فصار الولاء أثمن من الصدق، والانتماء أعلى من الكفاءة، والطاعة أرفع من الضمير.
عندها بدأت الشجرة تفقد عصارتها ورقةً بعد ورقة.
بعد أن جاءت عقود «الإنقاذ» الثلاثة الثقيلة، التي أنهكت الأرواح بالفقر، وأرهقت العقول بالتجهيل، وأججت النفوس بإزكاء الصراعات. ومع كل جولة من جولات العنف، كان شيء من إنسان السودان يغادر أصله وفصله.
ليصبح انفجار الحرب ليس هو سبب الانهيار بالضبط، بل لحظة كشف لا أكثر ولا أقل.
كالحمى التي لا تصنع المرض بل تفضحه، وكالمرآة التي لا تصنع القبح لكن تُظهره.
إن ما نراه اليوم من توحش وتشظٍ وتبدد للقيم ليس مولود هذه اللحظة، إنه فقط ميقات حصاد مؤجل.
إنه الثمرة المرة التي خرجت من بذور زُرعت منذ زمن بعيد.
وللحقيقة فالسنن الإلهية لا تجامل أحداً، والأرض لا تنبت إلا ما أُلقي فيها.
فمن يزرع الخوف يحصد الرعب، ومن يزرع الكراهية لا يحصد الحب، ومن يزرع الاستعلاء يحصد التمزق، ومن يزرع النفاق يباغته لا محالة انهيار كل شيء.
غير أن الحكمة الربانية لا تتركنا في ظلام المراثي.
ففي قلب الخراب نفسه تختبئ البشارة، لأن القانون الذي قاد إلى السقوط هو ذاته القانون الذي سيقود إلى النهوض.
فكما بدأ الفساد من النفس، فإن الإصلاح سيبدأ من النفس أيضاً.
وكما تغيرت القلوب نحو الظلمة، بإمكانها أن تعود نحو النور كذلك.
وهنا يتجلى سر الآية العظمى:
«إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ».
إذ لم تقل الآية: حتى يغيروا حكامهم، ولم تقل: حتى يغيروا أنظمتهم.
لكنها ردت الأمر كله إلى ذلك الجذر العميق الذي تسكنه النوايا وتقطنه الضمائر.
إلى البذرة قبل الثمرة، وإلى الأصل قبل الفرع، وإلى اللب قبل الهيكل.
فيا سودان.. يا شجرة أرهقتها الفؤوس، ويا نهراً ضل طريقه بين الصخور، إن خلاصك لن يبدأ من فوهة بندقية، ولا من منصة خطيب، ولا من قصر سلطان.
بل من استعادة طينتك الأولى، وإعادة بناء إنسانك قبل بنيانك، وإعادة الروح إلى جسدك.
وقت أن يتذكر الناس أن الله لم يخلقهم ذئاباً يتناهبون الهشيم، إنما خلفاء في الأرض يحملون الأمانة.
فحين تعود البذرة إلى صفائها الأول، ستعود الثمرة مباشرة إلى حلاوتها. وحين يُشفى الجذر تشفى الأغصان. وحين ينهض الإنسان من داخله، سينهض السودان كله من حوله.
كطائر أسطوري يخرج من رماده، لا لأن النار انطفأت، لكن لأن الروح عادت، فعاد معها:
مكان السجنِ مستشفى،
ومكان المنفى كلية،
ومكان الأسري وردية،
ومكان الحسرة أغنية،
ومكان الطلقة عصفورة تحلق حول نافورة، تمازح شفع الروضة.
علي قول محجوب شريف.
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.