لماذا يرفض البرهان هدنة إنسانية؟

نورا عثمان

المطلوب ليس هدنة مؤقتة بل وقفٌ دائم للحرب
مرة أخرى، تتعالى الدعوات الدولية لوقف القتال في السودان عبر هدنة إنسانية مؤقتة تتيح إيصال المساعدات للمدنيين المنهكين من الحرب. ومرة أخرى، تتجدد الأسئلة حول أسباب رفض قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان لمثل هذه المبادرات، رغم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتدفع الملايين نحو الجوع والنزوح والمرض.
إن المشكلة الأساسية لا تكمن في فكرة الهدنة الإنسانية نفسها، بل في أن التجربة السودانية أثبتت مراراً أن الهدن المؤقتة لم تكن سوى استراحة قصيرة للحرب، سرعان ما يعود بعدها القتال بوتيرة أشد ضراوة. فالسودانيون لم يعودوا بحاجة إلى ساعات أو أيام من الهدوء المؤقت، وإنما إلى قرار سياسي شجاع ينهي الحرب بصورة كاملة ويضع حداً لنزيف الدم الذي حوّل البلاد إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. ولذلك فإن أي رفض لجهود التهدئة المؤقتة، دون تقديم رؤية واضحة لإنهاء الحرب نهائياً، يثير مخاوف مشروعة بشأن وجود أطراف ما تزال ترى في استمرار المعركة مصلحة سياسية أو عسكرية تتقدم على معاناة المواطنين.
لقد دفعت الأسر السودانية ثمناً باهظاً لهذه الحرب. مدن مدمرة، ومستشفيات متوقفة، ومدارس مغلقة، واقتصاد منهار، وعملة وطنية فقدت معظم قيمتها، فيما يعيش ملايين المواطنين بين النزوح واللجوء والفقر المدقع. وفي ظل هذا الواقع المأساوي، يصبح الحديث عن هدنة إنسانية محدودة أشبه بمحاولة علاج نزيف حاد بضمادة صغيرة. المطلوب اليوم هو وقف دائم لإطلاق النار، وفتح مسار سياسي شامل يضع مصلحة السودان فوق حسابات السلطة والنفوذ، ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية بعيداً عن أجندات الحرب.
إن استمرار القتال لم يعد يمثل انتصاراً لأي طرف، بل هزيمة جماعية للسودانيين جميعاً. وكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من الأرامل والأيتام واللاجئين والخراب الاقتصادي. لذلك فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقتضي الاستجابة لكل الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب بصورة نهائية، لا الاكتفاء بمناقشة هدن مؤقتة سرعان ما تنهار. فالسودان لا يحتاج إلى استراحة من الحرب، بل يحتاج إلى نهاية الحرب نفسها، وإلى قيادة تملك الشجاعة الكافية لاختيار السلام الدائم بدلاً من استمرار المأساة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.