دبلوماسية المراوغة: كيف تنقّل البرهان بين المنابر الدولية لينتهي برفض الهدنة الأمريكية؟
تقرير ـ عين الحقيقة
كشفت الإحاطة المفتوحة التي شهدها مجلس الأمن الدولي بشأن السودان عن وصول جهود الوساطة الدولية إلى حائط مسدود، بعد أن أعلن مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، رفض “حكومة بورتسودان” لأحدث مسودة هدنة إنسانية طرحتها واشنطن.
هذا الرفض العلني لا يمثل مجرد موقف متطرف، بل يأتي كحلقة أخيرة في سلسلة من المناورات الدبلوماسية والتاكتيكات التي اتبعها البرهان عبر عدة عواصم ومنابر دولية وإقليمية منذ اندلاع الصراع، في محاولة لكسب الوقت وتجنب الالتزامات الصارمة لوقف إطلاق النار.
محطات المناورة: من “جدة” إلى “الخماسية”
تتبع مسيرة التفصيل الدبلوماسي لحكومة بورتسودان يظهر نمطاً متكرراً يعتمد على التناقض بين القبول المبدئي في العلن، والتعطيل الإجرائي على أرض الواقع، بداية من
منبر جدة الذي شهد التوقيع بلا التزام، حيث
كانت “منصة جدة” برعاية سعودية-أمريكية المحطة الأولى التي أظهرت فيها قيادة الجيش مرونة تكتيكية.
ورغم توقيع “إعلان جدة لحماية المدنيين”، تحولت بنوده—خاصة المتعلقة بإخلاء المظاهر العسكرية من المدن والمستشفيات—إلى مادة للسجال السياسي، حيث اشترط الجيش تنفيذ هذه البنود أولاً قبل مناقشة أي ترتيبات سياسية أو عسكرية أوسع، مما أفرغ المنبر من محتواه العملي.
كما شكلت لقاءات المنامة غير المعلنة بين الفريق أول كباشي و قائد ثاني الدعم السريع الفريق أول عبد الرحيم دقلو، خطوة متقدمة نحو صياغة اتفاق إطاري لوقف العدائيات. ومع ذلك، بمجرد تسريب تفاصيل التفاهمات، تراجعت قيادة الجيش تحت ضغط التيارات الراديكالية والكتل الإسلامية المساندة لها في الحرب، لتجهض المنبر البحريني خوفاً من تقديم تنازلات تضعف موقفها السلطوي.
مع اتساع الرقعة الدبلوماسية ودخول آليات كـالرباعية الدولية (التي تضم السعودية، والإمارات، والولايات المتحدة، وبريطانيا) ثم الخماسية، حاولت حكومة بورتسودان اتباع سياسة “تعدد المنابر” لبعثرة الجهود الدولية.
واشتكى مراقبون مراراً من أن هذه المسارات مجزأة وتفتقر للتنسيق، وهي حجة استُخدمت بذكاء للتنصل من خارطة الطريق الشاملة التي وضعتها الرباعية لإنهاء إراقة الدماء، حيث بلغت هذه المناورات ذروتها في نيويورك، حينما واجهت واشنطن—عبر مستشارها مسعد بولس—مجلس السيادة بالمسودة النهائية للهدنة الإنسانية المقترحة (والتي تمتد لثلاثة أشهر). وتستهدف المسودة ضمان تدفق المساعدات وتأمين ممرات تشرف عليها الأمم المتحدة كتمهيد لوقف دائم لإطلاق النار.
و قال مسعد بولس أمام مجلس الأمن: “إن مجلس السيادة لحكومة بورتسودان يرفض باستمرار الدعوات الأميركية لإقرار هدنة إنسانية من شأنها أن تمهد الطريق للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار في السودان.”
في المقابل، حاول سفير حكومة بورتسودان لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، تبرير الموقف بنفي الرفض القاطع، مدعياً أن الرئاسة السودانية أرسلت رداً يتضمن “تعديلات وجداول زمنية عسكرية”. هذا الرد اعتبرته الدوائر الغربية مجرد محاولة جديدة لفرض شروط مسبقة وتسييس الملف الإنساني لتفادي التوقيع.
التحليل الاستراتيجي.
لماذا يرفض البرهان؟
و يرى مراقبون أن الحسابات السياسية والعسكرية لقيادة الجيش في بورتسودان تتلخص في الخوف من شرعنة الدعم السريع، و تنظر بورتسودان إلى الهدن الشاملة كآلية قد تمنح قوات الدعم السريع اعترافاً دولياً كطرف موازٍ للدولة، وتثبت نفوذها في المناطق التي تسيطر عليها.
او المراهنة على الحسم العسكر ، اد لا تزال القيادة العسكرية تعتقد أن بإمكانها تغيير موازين القوى على الأرض قبل الدخول في أي مسار سياسي يفضي إلى انتقال مدني وإصلاح أمني وعسكري.
و تتضمن الرؤية الأمريكية والرباعية تسليماً نهائياً للحكم المدني وتنظيم انتخابات، وهو ما تتهرب منه السلطة الحالية الساعية لتأكيد شرعيتها الفردية.
و يبدو أن إن رفض مسودة الهدنة الأمريكية الأخير يضع حكومة بورتسودان في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، ويحول “المناورات الدبلوماسية” التي برع فيها البرهان إلى استراتيجية استنزاف يدفع ثمنها ملايين السودانيين المحاصرين بالجوع والموت.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.