بين الحرب وانهيار العملة .. المعلم السوداني يواجه أسوأ أزمة معيشية !!

تقرير : عين الحقيقة

لم تعد الحرب في السودان تقتصر على دمار البنية التحتية وتعطيل العملية التعليمية بل امتدت آثارها إلى جيوب المعلمين، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة أزمة معيشية غير مسبوقة بعد الانهيار الحاد لقيمة الجنيه السوداني. فبين تضخم الأسعار وتراجع قيمة الأجور، باتت رواتب آلاف المعلمين عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة.
وتكشف دراسة حديثة أعدتها لجنة المعلمين السودانيين حجم التدهور الذي أصاب دخول العاملين في قطاع التعليم، إذ انخفضت القوة الشرائية للرواتب إلى مستويات غير مسبوقة، مع استمرار تراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار.
ووفقاً للدراسة فإن أعلى راتب يتقاضاه معلم تجاوزت خدمته ثلاثين عاماً يبلغ 225 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 41 دولار أمريكي فقط وفق سعر الصرف الحالي البالغ 5500 جنيه للدولار. أما معلمو الدرجة التاسعة، وهي درجة التعيين، فلا يتجاوز دخلهم الشهري 82 ألف جنيه، أي أقل من 15 دولار.
وتبرز المقارنة مع فترة ما قبل الحرب حجم الانهيار. ففي عام 2022 كان راتب معلم الدرجة الأولى يعادل نحو 498 دولار شهري بينما بلغ راتب معلم الدرجة التاسعة نحو 181 دولار وتشير هذه الأرقام إلى أن رواتب المعلمين فقدت أكثر من 90 في المائة من قيمتها الفعلية خلال سنوات قليلة.
وتعزو لجنة المعلمين هذا التدهور إلى الانخفاض المستمر في قيمة العملة الوطنية موضحة أن الدولار ارتفع خلال أسبوعين فقط من 4600 إلى 5500 جنيه، أي بانخفاض جديد للجنيه بلغت نسبته نحو 19.6 في المائة، الأمر الذي أدى إلى مزيد من التآكل في القوة الشرائية للرواتب.
وترى اللجنة أن الأزمة تجاوزت حدود المطالب الفئوية، وأصبحت تهدد مستقبل التعليم نفسه، إذ إن ضعف الأجور يدفع كثيراً من المعلمين إلى ترك المهنة أو البحث عن أعمال إضافية لتأمين احتياجات أسرهم، وهو ما ينعكس سلباً على استقرار المدارس وجودة العملية التعليمية.
وبناء على المتغيرات الاقتصادية الأخيرة، طالبت اللجنة برفع الحد الأدنى للأجور إلى 313 ألفاً و500 جنيه، بدلاً من المقترح السابق البالغ 216 ألف جنيه، مؤكدة أن الحد الأدنى القانوني الحالي، والمحدد عند 12 ألف جنيه، لم يعد يعكس الواقع الاقتصادي ولا يفي بأبسط متطلبات المعيشة.
ولم تقتصر الأزمة على المعلمين وحدهم إذ تشير الدراسة إلى أن العاملين غير المدرسين في المدارس يتقاضى بعضهم ما لا يتجاوز خمسة دولارات شهرياً، في وقت تشهد فيه الولايات تفاوت كبير في الرواتب ومواعيد صرفها بسبب نظام التحويلات اللامركزية.
وانتقدت لجنة المعلمين ما وصفته باستمرار الصمت الرسمي تجاه الأزمة، معتبرة أن غياب المعالجات الاقتصادية يزيد من الضغوط على العاملين في قطاع التعليم، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية والمعيشية.
ويحذر مختصون من أن استمرار تراجع الأجور بالتزامن مع الحرب والانهيار الاقتصادي، قد يؤدي إلى فقدان القطاع التعليمي المزيد من كوادره المؤهلة، بما يهدد مستقبل ملايين الطلاب. وبين حرب لم تتوقف، وعملة تفقد قيمتها يوماً بعد آخر، يبقى المعلم السوداني أحد أكثر الفئات دفعاً لكلفة الأزمة، في انتظار حلول تعيد إليه الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة المعيشية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.