النيل الأبيض.. من ملاذ للنازحين إلى معسكر تعبئة لكتائب الحركة الإسلامية

متابعات ـ عين الحقيقة

في مشهد يعكس عمق اختراق الحركة الإسلامية للمؤسسة العسكرية، أقامت ما تسمى “قوات العمل الخاص” بولاية النيل الأبيض يوماً كاملاً لتكريم القيادي الإسلامي كمال عبدالله هارون الملقب “بور”، الذي أعلن مقتله في معارك كردفان.
احتفاء رسمي بقيادي إخواني
تحول التكريم إلى استعراض للقوة السياسية للحركة الإسلامية داخل الولاية. حضره قائد قوات العمل الخاص ونوابه، وقائد الفرقة 18 مشاة اللواء ركن جمال جمعة آدم، ورئيس شعبة الاستخبارات العقيد عبدالحميد عبدالواحد، إلى جانب قيادات “إمارة المجاهدين” المركزية والولائية.
وشارك في المنصة مدير جامعة النيل الأبيض البروفيسور الشاذلي عيسى حمد، والمدير الأسبق لمنظمة الشهيد التابعة للحركة الإسلامية الشيخ عبدالقادر الخير، وممثلون عن “المقاومة الشعبية” والإدارة المحلية.
وأعلن قائد قوات العمل الخاص بالولاية شهاب الدين “برج” تشكيل “كتيبة اطلق عليها “الشهيد كمال بور” ضمن قواته، معترفاً بأن القتيل ظل في الخطوط الأمامية منذ أبريل 2023، وتم العثور على جثمانه قبل 4 أشهر.
الولاية تتحول إلى حاضنة للكتائب الأيديولوجية
خلال عامي الحرب، تحولت النيل الأبيض من ولاية تستقبل مئات الآلاف من النازحين إلى أكبر مركز للتعبئة والتدريب للمجموعات الإسلامية المسلحة التي تقاتل تحت لافتات “القوات المساندة” و”المقاومة الشعبية” و”كتائب المجاهدين”.
ويقول مراقبون إن ظهور قيادات “إمارة المجاهدين” و”فيلق البراء بن مالك” و”منظمة الشهيد” في مناسبة رسمية بحضور قادة الجيش، يؤكد أن هذه التشكيلات لم تعد مجرد مساندة بل أصبحت شريكاً في إدارة المعركة واتخاذ القرار.
وتتصاعد التحذيرات الحقوقية من عسكرة المجتمع المدني عبر تسليح طلاب الجامعات وموظفي الخدمة المدنية وتجنيدهم في ألوية ذات مرجعية أيديولوجية واضحة، في تجاوز صريح لعقيدة القوات المسلحة المهنية.
ضبابية المصير وازدواجية الخطاب
و كانت قد تكتمت الحركة الاسلامية عن مصير “بور” عقب انقطاع الاتصال به في كردفان،فبينما أقامت له قوات العمل الخاص عزاءً رسمياً وأعلنته “شهيداً”، كانت الناشطة الموالية للجيش رانيا الخضر قد كتبت سابقاً عن “مغادرته كردفان إلى جهة غير معلومة” وتداولت روايات عن انضمامه للدعم السريع أو فقده.
وكتبت: “سمعنا جميعنا مغادرة بور منطقة كردفان… تحدث البعض عن ذهابه للدعم السريع والآخرين تحدثوا عن مقتله”. هذا التضارب يعكس غياب أي سجلات رسمية وشفافية في التعامل مع القتلى والمفقودين.
عودة الإخوان للواجهة.. ومستقبل مجهول للجيش
إن حضور هذه المسميات التي نشطت في حروب التسعينات يطرح سؤالاً مباشراً: من يسيطر على قرار الحرب؟ الجيش كمؤسسة قومية، أم شبكة الكتائب الإسلامية التي عادت للتمدد عبر بوابة “معركة الكرامة”؟
وإعلان قوات العمل الخاص عن نيتها اكريم قتلاها في ديارهم خلال الأيام المقبلة، يشير إلى نية ترسيخ هذا النموذج وتعميمه في بقية الولايات.
جنازة “بور” ليست حدثاً سياسيا ، بل هي إعلان عملي بأن النيل الأبيض أصبحت منصة انطلاق للكتائب الإسلامية نحو كردفان ودارفور.
المشهد يضع السودانيين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما جيش مهني قومي يحمي الدولة، أو عودة صريحة لحكم الميليشيات الأيديولوجية التي حكمت 30 عاماً باسم الدين وخربت باسم “الجهاد”.
ومع استمرار الحرب، فإن الثمن الأكبر لن يدفعه قادة الكتائب، بل سيدفعه المدنيون الذين يدفعون فاتورة صراع لم يختاروه، على مستقبل دولة تذوب مؤسساتها لصالح ولاءات حزبية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.