في وقتٍ تصنّف فيه الأمم المتحدة الأزمة في البلاد كأكبر كارثة إنسانية ونزوح في العالم المعاصر، تواصل حكومة بورتسودان، إغلاق كافة الأبواب أمام مبادرات السلام والهدن الإنسانية.
وقد تجلى هذا الإصرار بشكلٍ صارخ في جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة امس، حيث كشف مستشار الشؤون الأفريقية، مسعد بولس، في إفادته الرسمية عن رفض الجيش القاطع لمقترح هدنة إنسانية جديد عُرض عليه بالأمس. هذا الرفض الفوري، رغم الكلفة الباهظة التي يدفعها المدنيون، يثير تساؤلات حاسمة حول استقلالية القرار العسكري، ويكشف -وفقاً لتقارير ومراقبين- عن ارتهان واجهة الدولة لطموحات تيار الإسلام السياسي (الإخوان المسلمون) الساعي للعودة إلى السلطة على أنقاض الدولة السودانية.
و أعادت إفادة مسعد بولس أمام مجلس الأمن الدولي تسليط الضوء على المأزق الدبلوماسي الذي تقود إليه قيادة الجيش البلاد. فالمقترح الإنساني الذي رُفض بالأمس كان يمثل طوق نجاة عاجل لضمان تدفق المساعدات وتخفيف الحصار عن المناطق المنكوبة.
ويرى محللون سياسيون أن سحب البرهان الفوري للبساط من تحت هذا المقترح لا ينطلق من رؤية استراتيجية لتحقيق النصر الميداني، بقدر ما يمثّل رضوخاً تاماً لضغوط “التيار الإسلامي” والوجوه البارزة في حزب المؤتمر الوطني المحلول.
هذا التيار يدرك تماماً أن أي اتفاق لوقف الحرب، أو أي عملية سياسية تقود إلى التحول الديمقراطي، سيعني إقصاءه نهائياً من المشهد وتفعيل مبدأ المحاسبة، لذلك تظل الحرب بالنسبة لهم هي “شريان الحياة” الوحيد المتبقي للبقاء، ولو كان الثمن صداماً مباشراً مع الإرادة الدولية في نيويورك.
و لم يعد النفوذ الأيديولوجي داخل معسكر بورتسودان مجرد تكهنات سياسية، بل تحول إلى واقع ملموس تترجمه المواقف المتصلبة للجيش تجاه الوساطات
و باتت كتائب الإسناد الشعبي المسلحة ذات الخلفية الإسلامية الصارمة، وفي مقدمتها كتيبة “البراء بن مالك”، هي القوة الضاربة التي تحرك جبهات القتال وتفرض إيقاعها على القوات المسلحة.
هذا الاعتماد العسكري منح قادة الحركة الإسلامية في الخفاء “حق الفيتو” لإحباط أي مقترح هدنة إنسانية كالذي كشف عنه بولس.
و تشهد أروقة الجهاز الإداري والدبلوماسي في بورتسودان عملية إعادة تمكين واسعة لعناصر النظام السابق، مستغلةً قرارات البرهان السابقة بإلغاء تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، مما أعاد هيكلة الدولة لتخدم أجندة استمرار الحرب.
و يعكس الخطاب الدبلوماسي الحالي لحكومة بورتسودان ذات الأدبيات الهجومية والتخوينية التي تميز بها نظام “الإنقاذ” البائد، مما تسبب في مأزق دبلوماسي حاد وعزلة خانقة تجلت بوضوح في ردود الفعل الدولية الغاضبة داخل أروقة مجلس الأمن.
و ينتقد مراقبون أداء البرهان بوصفه تخلى عن دور القائد القومي للمؤسسة العسكرية لفائدة لعب دور “الغطاء الشرعي” لمجموعات عقائدية مسلحة، فبدلاً من الاستجابة للاستغاثات الإنسانية من مناطق دارفور، والجزيرة، والخرطوم، وتلقف مقترح الهدنة الأخير، يختار البرهان التماهي مع الفتاوى السياسية والدعوات التي تطلقها منصات الإسلاميين، والتي ترفع شعارات “البل بس” واستمرار الحرب حتى الفناء.
إن الرفض المستمر للمسارات السلمية، والذي أكدته إفادة مسعد بولس بالأمس تحت لافتة “الحفاظ على السيادة”، لم يفرز سوى تدمير ما تبقى من البنية التحتية، وترك ملايين السودانيين فريسةً للمجاعة الممنهجة والأوبئة، في وقت تنعم فيه القيادات السياسية والعسكرية بالأمن في العاصمة المؤقتة.
و إن رهان عبد الفتاح البرهان على حسم عسكري تمليه رغبات التنظيم الإسلامي هو رهان صفري أثبتت الأشهر الطويلة من الاقتتال فشله الكارثي، وجاءت جلسة مجلس الأمن الأخيرة لتعرّي هذا الموقف أمام المجتمع الدولي. وبات واضحاً أن مفتاح إنقاذ السودان لا يكمن في بورتسودان التي اختطفت قرارها الأجندات الحزبية، بل في ممارسة ضغوط دولية حقيقية تفك الارتباط العضوي بين قيادة الجيش وتيار النظام السابق، وتجبر الطرفين على الانصياع لإرادة الشعب السوداني في الحرية، والسلام
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.