جنرالات الشاشات.. كيف تحولت مأساة الأبيض إلى تجارة رقمية؟

تقرير : عين الحقيقة

بينما تقترب نيران الحرب من تخوم مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، وتتزايد المخاوف من تكرار سيناريو الفاشر الكارثي، تشهد منصات التواصل الاجتماعي حربًا من نوع آخر؛ حربًا وقودها شعارات «الصمود» والدعوات المستمرة للمدنيين إلى البقاء في المدينة، يطلقها ناشطون ومؤثرون يقيمون في عواصم إقليمية وغربية آمنة.

تكشف “عين الحقيقة” في هذا التقرير، عبر الرصد والمتابعة، كواليس ما يمكن وصفه بـ”اقتصاديات الحرب الرقمية”، وكيف تحوّل الحصار الإنساني والجوع والخوف في الداخل إلى مادة لإنتاج المحتوى، وجني الأرباح، وتصفية الحسابات السياسية على حساب المدنيين.

فخ الشعارات العاطفية.. “الثبات” من خلف البحار

مع تصاعد المؤشرات العسكرية حول مدينة الأبيض، ضجّت منصات “تيك توك” و”فيسبوك” بموجة من البثوث المباشرة والحملات الرقمية التي ترفع شعارات مثل: “الأبيض عصية” والنزوح خيانة للأرض والعِرض.

 

وتكمن المفارقة التي رصدتها المنصة في اتساع المسافة الجغرافية والأمنية بين مرسلي هذه الرسائل ومتلقّيها؛ إذ يطالب صناع المحتوى أسرًا تواجه القصف العشوائي وانعدام الخدمات الصحية بالبقاء في منازلها، باعتبار ذلك دليلًا على “الصمود”، في حين يتحول الضغط النفسي والتخوين الإلكتروني إلى وسيلة لسلب المدنيين حقهم في اتخاذ القرار الذي يحفظ حياتهم وحياة أطفالهم.

دورة رأس المال في «بيزنس» الفواجع

تتبعت “عين الحقيقة” آلية عمل عدد من هذه الشبكات الرقمية، لتجد أنها تسير وفق دورة إعلامية واقتصادية متكررة تتغذى على الأزمة الإنسانية.

تبدأ الدورة بمرحلة التعبئة والتحشيد، عبر بث رسائل الحماس ورفض أي دعوات للتفاوض أو فتح ممرات إنسانية، مع توجيه حملات تخوين ضد كل من يفكر في مغادرة المدينة.

ثم تنتقل إلى مرحلة جمع التبرعات، حيث تُستغل المبادرات المحلية وحاجة السكان إلى المياه والغذاء لإطلاق حملات دعم عبر التطبيقات البنكية الرقمية، مستفيدة من غياب آليات الشفافية في الفضاء الإلكتروني. وبينما توجد مبادرات إنسانية حقيقية على الأرض، فإن هذا الواقع يفتح المجال أمام بعض الحسابات الافتراضية لجمع أموال يصعب التحقق من أوجه صرفها.

وعند وقوع أي تصعيد عسكري أو مجزرة، تتحول لغة الخطاب من الحشد إلى استثمار المأساة، إذ تُعاد مشاركة صور الضحايا ومقاطع الفيديو على نطاق واسع، بما يزيد معدلات الوصول والتفاعل، ويعزز فرص تحقيق عوائد مالية عبر المنصات الرقمية أو الدعم المباشر للحسابات الشخصية.

الدم المستباح كرأسمال سياسي

لا يقتصر الأمر، وفق ما رصده التقرير، على المكاسب المالية، بل يمتد إلى توظيف المأساة في الصراع السياسي والإعلامي.

ويشير تحليل محتوى عدد من المنصات المؤثرة إلى توظيف الانتهاكات الإنسانية، عند وقوعها، في دعم سرديات سياسية متباينة، سواء عبر إدانة الأطراف المتحاربة أمام الرأي العام الدولي، أو تصفية الحسابات مع القوى السياسية المخالفة، أو استقطاب التعاطف الدولي وكسب الزخم الإعلامي.

شهادة من الميدان

قال أحد أعضاء غرف الطوارئ بمدينة الأبيض، فضّل حجب هويته لأسباب أمنية، في حديث لـ»عين الحقيقة»:

نحن نموت مرتين؛ مرة تحت القذائف، ومرة بسبب المتاجرة بمأساتنا على منصات التواصل. يطالبوننا بالصمود وهم لا يعرفون كم أصبح سعر برميل المياه هنا، ويريدون أن تتحول صور ضحايانا إلى مادة رائجة لجذب الدعم والمتابعين.

الوطن للأحياء.. لا للمشاهدات

تشير الوقائع الميدانية إلى أن المخاوف من تكرار المأساة الإنسانية في الأبيض تترافق مع تصاعد حملات التضليل والاستقطاب الرقمي، الأمر الذي يفرض على المبادرات المحلية ولجان الأحياء تعزيز الوعي المجتمعي، والفصل بين العمل الإنساني الحقيقي وأي استغلال إعلامي أو سياسي لمعاناة المدنيين.

وتبقى الحقيقة الأهم أن حياة الإنسان السوداني أغلى من أي شعار حربي، وأن حماية المدنيين والحفاظ على النسيج الاجتماعي يجب أن تظل الأولوية، بعيدًا عن منطق المتاجرة بالمآسي أو تحويلها إلى وسيلة لتحقيق المكاسب السياسية أو الرقمية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.