الاعلامي الطيب عبدالماجد يكتب .. وفِّه التبجيلا…!!

أنا نقطة ضعفي هي “المعلم” والكتابة عن المعلمين.
ودائماً أجد نفسي أقصر قامة من الحديث عنهم وقضاياهم، وأنا الذي اعتدت فقط أن أقف في حضرتهم،
ولم أشعر يوماً أن “الكتوف اتساوت”.
لذلك أكتب اليوم بمداد الروح والحذر عن قضاياهم وأزماتهم،
ويقيني المطلق أنه إذا لم ينصلح حال المعلم والتعليم،
فلن ينصلح حال هذا البلد…!!
فالتعليم هو مفتاح هذه الحياة وكل شيء.
والعملية التعليمية دائرة متكاملة، إذا حدث أي خلل فيها فإن التيار لن يكتمل ولن نرى النور، وبالتالي لن نصل إلى نتيجة. والمعلمون يمثلون مركز هذه الدائرة…!!
يغيب عن البعض أن المعلم هو الشخص الوحيد المناط به التعامل مع مئات الطلاب، وهو ينظر إلى كل طالب منهم على حدة، يريده أن يفهم ويستوعب وينجح. وأمام هذا الضغط الجارف فهو في المقابل له أسرة وأعباء أخرى يريدها هي الأخرى أن تزدهر وتنجح…!!
فالأب أحياناً في المنزل يجاهد ويتعب أمام خمسة أبناء فقط، مختلفي الميول والطباع والفهم والإدراك والاستيعاب والدواخل، فما بالك بالمئات…
ويلومه البعض أنه احتد مع طالب ما، أو قام بتوبيخه، أو حتى خرج عن طوره…!!
ولعمري فهو خروج بمعروف.
لذلك فالمعلم يسكب روحه في المدرسة والبيت والشارع، فهو مطالب أن يكون معلماً في كل شيء، لأنه قدوة ومثل ورائد، وبالتالي نحن مطالبون في المقابل أن نهيئ له هذه الأجواء ليقودنا إلى النور…!!
لكن بالنظر إلى حال المعلمين في بلادي، فإن الحال يغني عن السؤال، حيث يُنظر إلى المعلم على أنه موظف، وحتى هذه فهو غير مُقدَّر…!!
المعلم هي المهنة الوحيدة التي وإن صرفت عليها الدولة أكثر من المهن الأخرى، فلن يجد ذلك اعتراضاً من الآخرين، لأنهم كلهم خرجوا من رحم المعلمين وتضحياتهم…!!
“لما يزيدوا مرتباتهم نفرح كأنو زادونا نحنا”.
واستحضر هنا مقولة مؤس سنغافورة الحديثة لي كوان يو الذي نقلها من البؤس والشقاء إلى مصاف السعداء، حيث قال بالحرف الواحد: أظن أنني لم أقم بالمعجزة في سنغافورة، أنا فقط قمت بواجبي، فخصصت موارد الدولة للتعليم، وغيرت مكانة المعلم من الطبقات الدنيا في المجتمع إلى المكان اللائق بهم، وهم من صنعوا المعجزة التي يعيشها المواطنون الآن. وأي مسؤول يحب بلده ويهتم بشعبه كان سيفعل مثلي.
فإذا كنا نحتاج إلى معجزة… فهذه هي المعجزة وقابلة للتطبيق، ودونكم سنغافورة التي كانت من أسوأ دول العالم وهي الآن في المقدمة…!!
ومرتب المعلم في السودان يغطي أقل من 14% من تكاليف المعيشة…!!
أعلم أن الحال من بعضه لبقية المهن…
لكن هذا الأخير هو مصنع كل هذه المهن، وبالطريقة دي “لا حيعرف يدرّس ولا حيعرف يعيش”، ولن نصنع مهناً أخرى…
زمان وأنا في المدرسة كان في حاجة اسمها “أبو الفصل”.
وكان أبو فصلنا الأستاذ عثمان.
“الله يطراه بالخير أينما كان”.
أستاذ عثمان دا من شدة وجوده في المدرسة واهتمامه بالتفاصيل وحضوره صباحاً ومساءً، كان يراودنا الإحساس بأنه ليس لديه بيت ولا أسرة ولا التزام غيرنا…
وإنه فعلاً *”ولد”* – بكسر الواو – الفصل دا، عشان كدا بقولو ليهو ‘أبو الفصل”.
لما تحصل منافسات بين الفصول في أي ضرب من ضروب المعرفة أو الفنون، كان المعلمون يحشدون الطاقات ويعدون العدة للنزال.
بتذكر وزملائي الذين معي يتذكرون ذلك جيداً.
ومرات بعملوا اختبارات تنافسية مشتركة مع مدارس أخرى في مواد مختلفة، أشبه بمسابقات المدارس بس ما متلفزة.
وكان هناك امتحان لغة عربية مشترك بيننا ومدرسة أخرى جارة…
أنا بصراحة كنت عندي شوية شطارة كدا…
كنت أول الفصل.
“طبعاً أول الفصل دي ما بتقدر تكتبها في الفيس إذا لم تكن دقيقة، لأنو أبراج المراقبة القرو معاك كلهم بعرفو الحقيقة”
وكان هو أشبه بالمدرب يعدنا لذلك ويعطينا التوجيهات النهائية لخوض اللقاء.
وجاء يوم الامتحان ووفقني الله في حله بشكل مرضي، عدا سؤال واحد كنت أشك فيه ولازلت أذكره ولن أنساه طيلة حياتي، وكان السؤال:
“أُنْجِزَ المشروع كاملاً وتم تكريم الطلاب”
أعرب ما تحته خط، وحدد نائب الفاعل في هذه الجملة، وحدد السبب…!!
أنا الحقيقة لم أكن أعرف الإجابة بشكل دقيق في تحديد نائب الفاعل، لكن غايتو اجتهدت كدا واتوكلت وحددت وخرجت غير متأكد.
ولما طلعنا بعد الامتحان كان النقاش الذي يتم عادة بعد الامتحان بيننا كطلاب، وكان هذا السؤال هو الأكثر تداولاً بيننا.
جاءني أستاذ عثمان مهرولاً، قال لي: أها كتبت شنو في حل السؤال دا؟
“وهو وأساتذة المدرسة الأخرى هم من وضعوا الامتحان، ولكنهم ولتجردهم ومهنيتهم واحترامهم لم يلمحوا لنا مجرد تلميح بما يمكن أن يأتي في الامتحان”.
فكنت متردداً، قلت ليهو يا أستاذ والله ما متأكد، لكن كتبت: “المشروع” حلّ محل الفاعل المحذوف لأنو الفعل مبني للمجهول، فسمّي نائب فاعل وأخذ حكمه في الرفع.
والله لم أشاهد إلا وأستاذ عثمان دا أخد ليهو *”نطة”* كدا ورفع يدينو كأني جبت قون، ولم أشاهد فرحاً بهذا الشكل وانفعالاً بهذه الدرجة.
وكانت سعادتي *”بنطته”* أكثر من الإجابة نفسها…!!
“زي نطة رئيس فرنسا ماكرون لما فرنسا جابت القون.
رغم خطئي في إجابة أخرى أكثر سهولة كلفتني ثلاث درجات، وجبت *57 من 60*، وكانت أعلى درجة جابوها معاي أربعة، واحد تاني معانا واتنين من المدرسة التانية، ورغم ذلك تفوقنا بالإجمالي وفازت مدرستنا.
وأكرمونا بشهادات لم أفرح بشهادة الجامعة كما سعدت بها في ذلك التوقيت…
“ولم أكن أعرف وقتها أننا سنتعرض لامتحان أكبر يصعب فيه تحديد الفاعل ونائب الفاعل… ويتعسر الجواب والفعل مبني المجهول..
هذا هو المعلم، وكلهم *”أستاذ عثمان”*، ولازالوا كذلك إلى يومنا هذا… منصفين وملتزمين وعطاء بلا حدود، رسل معرفة وسفراء تنوير…!!
المعلم هو الشخص الوحيد الذي يفرح لنجاح الطالب أكثر من الطالب نفسه أحياناً، وهو الوحيد الذي يتمنى أن يكون الطالب أفضل منه تماماً كما يكون الأب.
والمعلم هو الوحيد الذي يجلس في مهنته ويقدم للمجتمع كل المهن الأخرى، حارساً للفضيلة بواباً للعلم والمعرفة…!!
ورغم ذلك فلا تقدير ولا إنصاف.
البلد الما بتقدر المعلم فيها خلل وما جادة تمشي لي قدام.
ولا خير فينا إذا لم ننصفهم ونمنحهم حقوقهم كاملة غير منقوصة…
فرّحوا الأستاذة وكرموهم وأعطوهم، فقد أعطوا ولم يستبقوا شيئاً.
إذا أردتموها دولة ناهضة…
وكيف يملأنا الزهو والفخار عندما نجد بعض الدول التي تتحدث عن فضل المعلمين السودانيين في النهوض بالتعليم فيها،
ولا يذكر الفضل إلا أهل الفضل”
ولازالوا يحفظون لهم هذا الصنيع ويذكرونهم بالخير كلما جاء الحديث عن النهضة والتطور.
صدروا كل شيء… إلا المعلمين…!!
فإنكم بهذا المنحى تصدرون *المربي* وتصادرون الحياة…!!
التحية لكل معلمي بلادي، والقومة ليك يا وطني…
حتى يستقيم عودك… وتحدد مسارك…
لنعود من جديد كما كنا… رواد علم وأهل معرفة وأصحاب همة.
والتحية لكم معلمي بلادي أينما كنتم، نباهي بكم ونفخر.
لكم العزة وللسودان المجد والنماء…!!
وسلام عليكم في العالمين…!!


 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.