قاعدين لشنو..؟

نورا عثمان

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب والدمار والتشريد، يحق للسودانيين أن يطرحوا سؤالاً بسيطاً ومباشراً: إذا كانت القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية والإخوان المسلمين لم تستطع حسم الحرب عسكرياً، ولم تنجح في إدارة الدولة عندما كانت تملك السلطة، ولم تتمكن من تقديم مشروع سلام ينهي المأساة، فما الذي يدفعها إلى التمسك بالمشهد السياسي والعسكري حتى اليوم؟

لقد أثبتت الوقائع أن شعار “الحسم العسكري” الذي رُفع منذ اندلاع الحرب لم يكن سوى وعدٍ آخر أُضيف إلى قائمة طويلة من الوعود التي لم تتحقق. فالحرب التي قيل إنها ستُحسم خلال أسابيع أو أشهر تحولت إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ السودان الحديث. ملايين النازحين واللاجئين، مدن مدمرة، اقتصاد منهار، خدمات أساسية متوقفة، وأجيال كاملة تدفع ثمن رهانات سياسية وعسكرية لم تحقق أهدافها. وبينما ينتظر المواطن نهاية هذا الكابوس، لا يزال بعض قادة التيار الإسلامي يتحدثون بلغة التعبئة والحشد وكأن شيئاً لم يحدث.

أما سجل إدارة الدولة، فهو قصة أخرى لا تزال آثارها حاضرة في وجدان السودانيين. فقد حكم الإسلاميون السودان لعقود طويلة، كانت كافية لبناء دولة مستقرة ومزدهرة لو توفرت الإرادة والكفاءة. لكن النتيجة التي يراها الناس اليوم هي دولة منهكة ومؤسسات ضعيفة واقتصاد تعرض لأزمات متلاحقة وصراعات داخلية وحروب أنهكت الأطراف وأضعفت المركز. لذلك فإن الادعاء بامتلاك حلول لمشكلات السودان يبدو صعب التصديق لدى كثير من المواطنين الذين عايشوا تلك التجربة بكل تعقيداتها وإخفاقاتها.

الأكثر إثارة للدهشة أن هذا التيار لم ينجح حتى في تقديم مبادرة سلام متماسكة تجمع السودانيين حول مشروع وطني جامع. فبدلاً من البحث عن مخارج سياسية توقف نزيف الدم، ظلت بعض الأصوات المرتبطة به تنظر إلى أي حديث عن التسوية أو التفاوض باعتباره تنازلاً غير مقبول. والنتيجة أن البلاد بقيت عالقة في دائرة الحرب، بينما تتراكم الخسائر الإنسانية والاقتصادية يوماً بعد يوم.

السؤال الذي يتردد اليوم في الأسواق ومراكز النزوح ووسائل التواصل الاجتماعي هو: ماذا يريد هؤلاء بالضبط؟ فإذا كان الانتصار العسكري لم يتحقق، والسلام لم يتحقق، وإدارة الدولة لم تكن نموذجاً ناجحاً، فما هو المشروع الذي يسعون إليه؟ وهل أصبح البقاء في دائرة الصراع هدفاً في حد ذاته؟ أم أن هناك من يعتقد أن استمرار الحرب يمنحه فرصة جديدة للعودة إلى السلطة مهما كانت الكلفة التي يدفعها الشعب؟

السودانيون اليوم لا يبحثون عن شعارات جديدة ولا عن خطابات تعبئة إضافية. ما يحتاجونه هو الأمن والاستقرار والخبز والكهرباء والتعليم والعلاج وحق العودة إلى منازلهم ومدنهم وقراهم. يريدون دولة تنحاز إلى مصالحهم لا إلى حسابات التنظيمات السياسية أو العسكرية. ولذلك فإن أي قوة سياسية ترغب في البقاء ضمن المشهد العام مطالبة بأن تقدم إجابات واضحة عن إخفاقاتها السابقة، وأن تطرح رؤية واقعية للمستقبل بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات أو تبريرها.

لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً للحروب والانقسامات والصراعات الأيديولوجية. وما لم تدرك القوى المتصارعة أن السودان أكبر من أي حزب وأوسع من أي تنظيم، فإن المأساة ستستمر. ويبقى السؤال قائماً بإلحاح: إذا لم يكن هناك سلام يُنجز، ولا انتصار يتحقق، ولا مشروع دولة يقنع الناس، فقاعدين لماذا؟ ومن أجل ماذا يدفع السودانيون كل هذه الأثمان؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.