واشنطن تبدأ تقليم أظافر الكيزان.. هل تنجح في وقف الحرب في السودان؟

أواب عزام البوشي

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يبدو أن واشنطن قررت الانتقال من مرحلة البيانات الدبلوماسية إلى مرحلة الضغط المباشر على الجهة التي ترى أنها تعرقل وقف إطلاق النار. فما جرى خلال الساعات الماضية لم يكن مجرد عقوبات جديدة ، بل رسالة أمريكية واضحة مفادها أن قيادة الجيش والحركة الإسلامية أصبحتا في مرمى الاستهداف السياسي والاقتصادي، وأن هامش المناورة الذي ظل يتمتع به الكيزان بدأ يضيق بصورة غير مسبوقة.

واشنطن تكشف المعرقل الحقيقي
في جلسة مجلس الأمن اليوم لم يتحدث كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، عن “طرفي النزاع” كما اعتادت الدبلوماسية الأمريكية، بل وضع إصبعه مباشرة على الجهة التي عطلت الهدنة الإنسانية، مؤكداً أن مجلس السيادة بقيادة البرهان رفض المقترح الأمريكي، وأغلق الباب أمام أي تسوية لا تقوم على استمرار الحرب حتى تحقيق أهدافه العسكرية.
هذا التحول يعني أن واشنطن لم تعد تقتنع بالرواية التي ظل يروج له الجيش بأنه يخوض “حرب الكرامة”، بل باتت ترى أن استمرار الحرب أصبح قراراً سياسياً تتبناه شبكات الإسلاميين المسيطرة على القرار داخل المؤسسة العسكرية.
ولم تكتفِ واشنطن بهذا التصعيد السياسي، بل ترجمت رسائلها إلى إجراءات عملية بعد انتهاء جلسة مجلس الأمن مباشرة. فقد أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية حزمة عقوبات جديدة استهدفت ثمانية أفراد وكيانات مرتبطة بشبكات تمويل وإمداد الجيش السوداني، شملت شركات تعمل في استيراد المواد الكيميائية والمتفجرات، إلى جانب شركات وأفراد داخل السودان وخارجه. وجاءت العقوبات بموجب الأمر التنفيذي (14098)، في رسالة واضحة بأن مرحلة التحذيرات انتهت، وأن استهداف الشبكات الاقتصادية واللوجستية التي يعتمد عليها الجيش والحركة الإسلامية أصبح سياسة أمريكية معلنة.

البرهان وقع في الفخ
التوقيت لم يكن صدفة. ففي صباح اليوم رفض البرهان مقترح الهدنة، وبعد ساعات فقط وجد نفسه متهماً أمام العالم من داخل مجلس الأمن بأنه يعرقل السلام، ثم لحق ذلك مباشرة إعلان العقوبات الأمريكية، في مشهد يعكس أن واشنطن كانت قد أعدت مسار التصعيد سلفاً.
وتشير المعطيات إلى أن البرهان أدرك سريعاً حجم المأزق، فسارع أثناء انعقاد الجلسة إلى التواصل مع مندوب السودان الحارث لمحاولة احتواء الأزمة، لكن الرسالة الأمريكية كانت قد وصلت بالفعل إلى المجتمع الدولي.
لقد خسر البرهان معركة الرواية، وانتقل من موقع من يدّعي السعي للسلام إلى موقع المتهم بإفشال فرص وقف الحرب.

تقليم أظافر الكيزان يبدأ بالمال
العقوبات الأمريكية الأخيرة لم تستهدف أفراداً بصورة عشوائية، بل ضربت البنية الاقتصادية واللوجستية التي يعتمد عليها الجيش وشبكات الحركة الإسلامية في استيراد المواد الحساسة وتمويل العمليات العسكرية.
فواشنطن تدرك أن الحرب تُدار بالأموال وسلاسل الإمداد والشركات والواجهات التجارية، ولذلك جاءت العقوبات لتضرب هذه الشبكات مباشرة، مع توسيعها لتشمل شركات وأفراداً خارج السودان.
وهذه ليست سوى بداية لمسار يبدو أنه سيتوسع خلال الفترة المقبلة.

شبح الإرهاب يقترب
الأخطر من العقوبات هو النقاش الدائر داخل الكونغرس الأمريكي بشأن إمكانية تصنيف أطراف من النزاع السوداني ضمن قوائم الإرهاب العالمية.

وبالنظر إلى الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية، والعقوبات المفروضة على قيادات عسكرية، والاتهامات المتزايدة بارتكاب انتهاكات جسيمة، فإن الحركة الإسلامية والقيادات العسكرية لم تعد بعيدة عن هذا السيناريو إذا استمرت في تحدي الضغوط الدولية.
ولو حدث ذلك، فلن تكون القضية مجرد عقوبات إضافية، بل عزلة مالية وسياسية خانقة قد تغلق أمامهم أبواب التمويل والتسليح والتحركات الدولية.

نهاية مرحلة… وبداية أخرى
لسنوات طويلة اعتقد الكيزان أن بإمكانهم إدارة الحرب كما أداروا الدولة سابقاً ؛ بالمراوغة وكسب الوقت وإطلاق الشعارات. لكن المؤشرات الحالية تقول إن قواعد اللعبة تغيرت.
الولايات المتحدة لم تعد تناقش كيفية إدارة الحرب، بل بدأت تناقش كيفية محاسبة من يصر على استمرارها. وبين العقوبات، والضغوط السياسية، والتهديد بالتصنيف الإرهابي، يبدو أن مشروع الحركة الإسلامية يواجه أخطر تحدٍ خارجي منذ سقوط نظامها في عام 2019.
ويبقى السؤال: هل يراجع البرهان حساباته قبل أن تتسع دائرة العقوبات، أم يواصل الارتهان لمشروع الكيزان حتى يقود المؤسسة العسكرية إلى عزلة دولية غير مسبوقة؟
الأيام المقبلة وحدها ستجيب، لكن المؤكد أن واشنطن بدأت بالفعل تقليم أظافر الكيزان، وربما لن تتوقف عند هذا الحد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.