يرى أغلب السودانيين أن علاقة السودان بمصر قامت على الاستغلال والوصاية أكثر من كونها علاقة جوار بين دولتين ذواتي سيادة. لذلك فإن وصف مصر بالدولة الشقيقة لا ينسجم مع سياساتها تجاه السودان، التي اتسمت بعدم الاحترام وسوء النوايا والأنانية. فمصر دولة جارة مثلها مثل إثيوبيا وإريتريا وتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى، كلها يربطها بالسودان تاريخ وجغرافيا متداخلان، إلا أن أيا من هذه الدول لم تتدخل في الشأن السوداني كما تفعل مصر.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف أتيحت لمصر الفرصة لهذا التدخل السافر؟ .
من الطبيعي أن تسعى أي دولة إلى تحقيق مصالحها متى ما وجدت الفرصة، لكن المسؤولية تقع على الطرف الذي يسمح بذلك. ويجب أن نعترف بأننا كسودانيين فشلنا في بناء دولة ذات سيادة ومؤسسات قوية، كما فشلنا في صياغة سياسة خارجية ثابتة تحكم العلاقة مع مصر. وفي المقابل، حافظت مصر على ثبات سياستها تجاه السودان، وسعت باستمرار إلى منع قيام قرار سوداني مستقل منذ السنوات الأولى للاستقلال.
الإجابة عن السؤال السابق تكمن في دور الجيش. فمنذ أول انقلاب عسكري، أصبح الجيش البوابة التي دخلت منها مصر إلى الشأن السوداني. فقد انشغل هو بالسياسة، وأضعف الحكومات المدنية، وترك مهمته الأساسية في حماية الوطن، حتى وصل الأمر إلى التعاون مع مصر لإسقاط الحكومات المدنية.
لقد تعامل قادة الجيش السوداني، من عبود إلى البرهان، مع السودان كأنه ملكية خاصة، ولم يعملوا على بناء علاقة مع مصر تقوم على الندية والمصالح المتبادلة، وهو ما جعل الحكومات العسكرية الشريك المعتمد لمصر في إدارة ملفاتها داخل السودان.
وعند مراجعة أداء الرؤساء العسكريين الذين حكموا السودان طوال ستين عاما، يتضح أن تنازلاتهم لمصر كانت كبيرة جدا، بل كانت طعنات في صدر السودان. فقد وافق الفريق إبراهيم عبود على إغراق حلفا من أجل بناء السد العالي، دون أن يمنح سكانها حق الاختيار، ودون أن يقدر قيمتها التاريخية والحضارية. كما وقع اتفاقية مياه النيل التي لم تحقق للسودان ما يتناسب مع أهمية هذا المورد الاستراتيجي.
أما جعفر نميري، فقد أقام تحالفا سياسيا وأمنيا وثيقا مع مصر، بلغ ذروته في مشروع التكامل السوداني المصري، وهو مشروع خدم المصالح المصرية أكثر مما خدم المصالح السودانية.
وفي عهد عمر البشير، توسع التعاون السياسي والأمني والاقتصادي مع مصر، ومنح مصر مساحات واسعة للاستثمار، وقبل باتفاقية الحريات الأربع، إضافة إلى اتفاقيات أخرى راعت المصالح المصرية بدرجة أكبر من مراعاتها للمصالح السودانية.
أما في عهد عبد الفتاح البرهان، فما تزال الوقائع ماثلة أمام الجميع الآن، بدءا من موقفه المعادي للثورة، ثم انقلابه على الحكومة الانتقالية، وصولا إلى أحداث لاحقة جاءت منسجمة مع المصالح المصرية أكثر من انسجامها مع المصلحة الوطنية، وخاصة حادثة قتل مصر للمعدنيين داخل الأراضي السودانية قبل أيام.
مصر تنظر إلى السودان باعتباره جزءا من أمنها القومي والاقتصادي وامتدادا لنفوذها الإقليمي، وتسعى إلى حماية مصالحها بطريقة فيها الكثير من الاستخفاف بالسودان، لكن الذي سهل لها ذلك هو وجود أنظمة عسكرية كانت أكثر استعدادا للتوافق معها من التوافق مع الحكومات المدنية، التي كلما جاء الشعب بواحدة منها و تبنت رؤية العلاقة المستقلة عن مصر، والتعاون بناء على المصالح.
تربص بها العسكر وانقلبوا عليها بدعم مصر.
ويؤكد التاريخ هذه الحقيقة من أول حكومة مدنية بعد الاستقلال وحتى حكومة حمدوك الأخيرة، فقد دافع إسماعيل الأزهري عن استقلال القرار السوداني عن مصر مع الحفاظ على علاقات طبيعية بين البلدين. كما سعى عبد الله خليل إلى إقامة علاقات متوازنة مع مصر، مع توسيع علاقات السودان الدولية، وتمسك بحق السودان في حلايب وشلاتين. أما الصادق المهدي، فقد رفض أي علاقة تقوم على الهيمنة، وانتقد السياسات المصرية التي رأى أنها تضر بالمصلحة السودانية، وكذلك تمسك بحق السودان في حلايب وشلاتين.
وكان تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك، التي جاءت بفضل ثورة ديسمبر، من أكثر التطورات التي أثارت قلق مصر، بعد أن طرح حمدوك رؤية تقوم على إعادة تنظيم العلاقة بين البلدين بما يحفظ مصالح السودان ويؤسس لعلاقة متوازنة. ومن هنا فإن انقلاب البرهان على الحكومة الانتقالية لم يكن مجرد حدث داخلي، بل تدخل مصري أدى أيضا إلى إجهاض فرصة بناء سياسة سودانية أكثر استقلالا تجاه مصر.
وخلاصة القول، الشعب السوداني لا يرفض العلاقة مع مصر، فهي مهمة، ولكن لان مصر تتعامل مع السودان بمنطق المصالح، وليس بمنطق الأخوة أو الجوار، ولا تكترث أبدا لما يحدث للسودان، وتفعل أي شيء من أجل الحفاظ على هذا الوضع بالتعاون مع العسكر، اصبح علينا أن نتحمل المسؤولية ونصحح هذا الوضع الخاطئ، من خلال إنهاء حكم العسكر وبناء دولة مدنية قوية قادرة على حماية قرارها الوطني وإدارة علاقتها بكفاءة. ولذلك فإن استكمال مشروع الثورة واستعادة الحكم المدني يظل هو الطريق الوحيد لإنهاء هذه الحلقة المفرغة التي جعلت الحكم العسكري بوابة دائمة للنفوذ واستغلال مصر للسودان واستنزافه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.