يمثّل التعليم حجر الأساس في بناء المجتمعات ونهضتها، وهو المدخل الأهم لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة. وفي السياق السوداني، ظلّ التعليم لعقود طويلة أحد أهم أدوات التماسك والحراك الاجتماعي، كما شكّل بالنسبة للفتيات والنساء وسيلة أساسية للوصول إلى فرص أكثر عدالة في الحياة والعمل والمشاركة العامة. غير أن هذا القطاع الحيوي كان يعاني من اختلالات عميقة حتى قبل اندلاع الحرب، اختلالات كشفتها الحرب لاحقاً ودفعتها إلى مستوى الأزمة الشاملة، مع آثار أكثر قسوة على الفتيات والنساء، الأمر الذي يجعل العدالة النسوية جزءاً أساسياً من أي رؤية لإعادة بناء التعليم.
تتناول هذه المقالة واقع التعليم العام في السودان (مرحلة الأساس، والمتوسط، والثانوي)، أما التعليم الجامعي والدراسات العليا فهما مبحثان مستقلان يستحقان معالجة خاصة، مع أهمية التوقف مستقبلاً عند أوضاع الطالبات والباحثات والأكاديميات في مرحلة التعليم العالي.
التعليم قبل الحرب… تدهور بنيوي وجهود شعبية تُقاوم وحدها
قبل الحرب، كان التعليم في السودان يعاني من تدهور واضح في البنية التحتية، وغياب الصيانة الدورية، ونقص المعينات التعليمية الأساسية، إلى جانب ضعف البيئة المدرسية والصحة المدرسية. ورغم وفرة الدراسات التي شخصت أسباب التراجع، ظل التنفيذ محدوداً بسبب ضعف التمويل، وغياب الإرادة السياسية، وتدني ترتيب التعليم في أولويات الدولة. ولم تكن آثار هذا التدهور متساوية بين الجميع؛ إذ كانت الفتيات أكثر تأثراً بضعف الخدمات الأساسية داخل المدارس، خاصة غياب دورات المياه الآمنة، ونقص خدمات الصحة والنظافة، وطول المسافات إلى المدارس في بعض المناطق، وهي عوامل ارتبطت تاريخياً بارتفاع معدلات التسرب وسط البنات، لا سيما في المناطق الريفية والهامشية.
وفي المقابل، برز الدور الشعبي السوداني بوصفه خط الدفاع الأول عن التعليم، حيث ساهمت مجالس الآباء، ولجان الأحياء، والجمعيات التعليمية، والمبادرات النسائية في بناء الفصول، وتوفير الإجلاس، وتحسين الخدمات، وتنظيم الأنشطة، ودعم المدارس بما توفر من إمكانيات. وهو جهد وطني مقدّر، لكنه ظل جهداً تعويضياً لا يعالج جذور الأزمة، فبقي التعليم في حالة تراجع مزمن.
الحرب وتحويل التدهور إلى انهيار تعليمي شامل
مع اندلاع الحرب، انتقل التعليم في السودان من مرحلة التدهور النسبي إلى أزمة غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث. فقد تضررت آلاف المدارس بين تدمير جزئي وكلي، وتحولت أعداد كبيرة منها إلى مراكز لإيواء النازحين، مما أدى إلى توقف العملية التعليمية وتشريد ملايين الطلاب.
وتشير تقديرات المنظمات الدولية إلى توقف ملايين الأطفال عن الدراسة، وهو رقم يعكس حجم الكارثة التعليمية والإنسانية معاً. إلا أن هذه الأزمة لم تكن محايدة من منظور النوع الاجتماعي؛ إذ أصبحت الفتيات أكثر عرضة للانقطاع النهائي عن التعليم نتيجة النزوح، والزواج المبكر، والعمل المنزلي القسري، وازدياد مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، إضافة إلى القيود الاجتماعية التي تدفع كثيراً من الأسر إلى إعطاء الأولوية لتعليم الأبناء الذكور عندما تصبح الموارد محدودة.
وفي كثير من المناطق، عادت بعض المدارس للعمل دون صيانة حقيقية، وسط بيئة تعليمية غير آمنة، ومبانٍ متهالكة، وانعدام المياه الصالحة للشرب وسوء الصرف الصحي، وهي ظروف تؤثر بصورة أكبر على استمرار الفتيات في الدراسة، خصوصاً في مرحلة المراهقة. وفي مدن مثل الأبيض وغيرها، أصبحت المدرسة فضاءً مزدوجاً للتعليم والإيواء، في صورة تختصر عمق الأزمة الإنسانية.
الامتحانات وتراكم الدفعات… أزمة العدالة التعليمية
من أكثر الملفات تعقيداً في مرحلة الحرب وما بعدها ملف الامتحانات القومية وتراكم الدفعات، خاصة في مرحلتي الأساس والثانوي. فقد أدت الحرب إلى تأجيل الامتحانات وتعطل الدراسة وخلق أجيال متداخلة من الطلاب. لكن العدالة التعليمية لا تقتصر على تنظيم الامتحانات، بل تشمل أيضاً مراعاة الظروف غير المتكافئة التي عاشتها الفتيات، إذ تحملت كثيرات أعباء الرعاية المنزلية، أو فقدن فرص الدراسة بسبب النزوح أو الزواج أو انعدام الأمان. لذلك فإن أي معالجة عادلة لهذا الملف ينبغي أن تراعي اختلاف الظروف بين الطلاب والطالبات، وأن تعتمد سياسات مرنة تمنع تحول الحرب إلى سبب دائم لإقصاء الفتيات من التعليم.
المعلم… والمرأة المعلمة الضحية الصامتة للأزمة
المعلمون والمعلمات هم العمود الفقري للعملية التعليمية، وقد كانوا يعانون قبل الحرب من ضعف الأجور وغياب الاستقرار الوظيفي. ومع الحرب، تفاقمت أوضاعهم بصورة مأساوية نتيجة النزوح وفقدان الدخل والاستهداف المباشر. أما المعلمات فقد واجهن أعباء إضافية، إذ جمعن بين فقدان العمل ومسؤوليات إعالة الأسر ورعاية الأطفال وكبار السن في ظروف النزوح، فضلاً عن التحديات الأمنية والاجتماعية التي حدّت من قدرتهن على العودة إلى العمل. ويؤدي استمرار هذا الوضع إلى خسارة قطاع التعليم لعدد كبير من الكفاءات النسائية التي تمثل ركناً أساسياً في تعليم الأطفال، خاصة في المراحل الأولى. إن تحسين أوضاع المعلمين والمعلمات لا ينبغي أن يقتصر على زيادة الأجور، وإنما يشمل توفير بيئة عمل آمنة، ودعماً نفسياً، وسياسات تراعي احتياجات النساء العاملات في قطاع التعليم.
التعليم في الولايات… ضغط النزوح وكشف الهشاشة
أدت الحرب إلى موجات واسعة من النزوح الداخلي واللجوء، مما أحدث ضغطاً هائلاً على المدارس في الولايات المستقبلة للنازحين، وكشف هشاشة البنية التعليمية خارج العاصمة. وقد انعكس هذا الواقع بصورة أكبر على تعليم الفتيات، إذ أدى الاكتظاظ، ونقص المرافق، وانعدام الخصوصية، وضعف وسائل النقل، إلى زيادة احتمالات الانقطاع عن الدراسة. كما تحملت النساء داخل الأسر أعباء إضافية في رعاية الأطفال وإدارة شؤون الأسرة، وهو ما أثر بصورة غير مباشرة على انتظام الأطفال، وخاصة البنات، في التعليم. إن أزمة التعليم في الولايات ليست أزمة خدمات فقط، بل هي أيضاً قضية عدالة اجتماعية وعدالة جندرية تتطلب توزيعاً أكثر إنصافاً للموارد والاستثمارات التعليمية.
اللجوء وأثره على التعليم… انتهاك لحق أساسي وتحديات متعددة الأبعاد
على مستوى اللاجئين، لا يزال عدد كبير من الأطفال السودانيين خارج المدارس في دول اللجوء، رغم أن التعليم حق تكفله المواثيق الدولية. وتواجه الفتيات اللاجئات تحديات أكثر تعقيداً، تشمل مخاطر الزواج المبكر، والعمل المنزلي، والاستغلال، وصعوبة الوصول إلى مدارس آمنة، بينما تواجه المعلمات اللاجئات فقدان الاعتراف بخبراتهن المهنية، واضطرار كثيرات منهن إلى العمل في وظائف هامشية أو غير مستقرة. ويمثل ذلك هدراً كبيراً لرأس المال البشري النسائي، ويؤكد أن العدالة النسوية ليست قضية تخص النساء وحدهن، وإنما شرط أساسي للحفاظ على المنظومة التعليمية وإعادة بنائها.
المناهج في مرحلة ما بعد الحرب… الحاجة إلى تعليم مُداوٍ وعادل
لا يمكن الحديث عن مستقبل التعليم دون مراجعة المناهج الدراسية. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى مناهج تستجيب لآثار الحرب والصدمات النفسية والانقطاع الطويل عن الدراسة، وتعزز ثقافة السلام والتسامح والمواطنة. كما ينبغي أن تُدمج العدالة النسوية في المناهج باعتبارها قيمة تربوية، عبر ترسيخ مبادئ المساواة والكرامة الإنسانية، وإزالة الصور النمطية المتعلقة بأدوار النساء والرجال، وتقديم نماذج متوازنة تعكس إسهامات النساء في بناء المجتمع السوداني، دون تحويل المناهج إلى أدوات للاستقطاب أو الصراع السياسي.
رؤية لإعادة بناء التعليم بعد الحرب : إن إنقاذ التعليم العام في السودان يتطلب رؤية وطنية شاملة تنطلق من أن التعليم حق للجميع، وأن العدالة التعليمية لا تتحقق دون عدالة نسوية. وتقوم هذه الرؤية على إعادة إعمار المدارس وتأهيل البيئة التعليمية، وتحسين أوضاع المعلمين والمعلمات، ومعالجة أزمة الامتحانات بسياسات عادلة ومرنة، وتطوير مناهج تستجيب لمرحلة ما بعد الحرب، وضمان مجانية التعليم الأساسي، ومأسسة الجهود الشعبية، وتحييد التعليم عن الصراعات السياسية، مع إيلاء اهتمام خاص بإزالة العوائق التي تمنع الفتيات من مواصلة تعليمهن، وتمكين النساء من المشاركة الفاعلة في صنع السياسات التعليمية وإدارتها. إن أخطر ما يمكن أن يواجه التعليم في السودان هو إقحامه في الصراعات السياسية أو استخدامه أداة للإقصاء والتمييز. فالحكومات تزول، والصراعات تنتهي، أما التعليم فهو الاستثمار الأكثر استدامة في مستقبل البلاد. ولا يمكن الحديث عن إعادة إعمار السودان دون إعادة بناء المدرسة السودانية على أسس العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. فالعدالة النسوية ليست مطلباً خاصاً بالنساء، وإنما مدخل لبناء نظام تعليمي أكثر إنصافاً وقدرة على حماية جميع الأطفال، بناتٍ وبنين، من آثار الحرب، وضمان ألا تضيع أجيال كاملة دفعت ثمناً لم تختره.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.