واشنطن تضيق الخناق على البرهان.. هل أصبح السودان ساحة صراع دولي؟

تقرير: عين الحقيقة

دخلت الحرب السودانية مرحلة جديدة من التصعيد الدولي، عقب إعلان الولايات المتحدة فرض حزمة عقوبات اقتصادية مشددة استهدفت عدداً من الأفراد والكيانات والشركات المرتبطة بسلطة الأمر الواقع في بورتسودان، في خطوة يرى مراقبون أنها تمثل تحولاً نوعياً في أدوات الضغط الأميركية، بالانتقال من التركيز على المسار الدبلوماسي إلى استهداف البنية الاقتصادية واللوجستية التي يُعتقد أنها تسهم في إطالة أمد الحرب.

وتأتي هذه الإجراءات في وقت يدخل فيه السودان عامه الرابع من الصراع، وسط تعثر جهود وقف إطلاق النار، وتفاقم الأزمة الإنسانية، واستمرار العمليات العسكرية، رغم تعدد المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى إعادة الأطراف المتحاربة إلى طاولة التفاوض.

وشملت العقوبات حظر تشغيل شركات الطيران السودانية المملوكة للدولة داخل الولايات المتحدة، وتشديد القيود على الصادرات، إلى جانب توجيه ممثلي واشنطن في المؤسسات المالية الدولية بمعارضة منح الحكومة السودانية أي قروض أو مساعدات مالية أو فنية.

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تستهدف تضييق الخناق على سلطة الأمر الواقع، وتقليص قدرتها على الوصول إلى مصادر التمويل الخارجي.

ويرى محلل سياسي فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» أن هذه العقوبات تعكس تحولاً في مقاربة الإدارة الأميركية للأزمة السودانية، إذ لم تعد تنظر إلى الحرب بوصفها مواجهة عسكرية فحسب، بل باعتبارها صراعاً تغذيه شبكات اقتصادية ومصالح مالية تستفيد من استمرار القتال.

وأضاف أن واشنطن تسعى إلى رفع الكلفة الاقتصادية للحرب، وتوجيه رسالة واضحة إلى قيادة الجيش مفادها أن المضي في الخيار العسكري سيقود إلى مزيد من العزلة السياسية والاقتصادية، ويحد من هامش المناورة على المستويين الداخلي والخارجي.

وأوضح أن استهداف قطاع الطيران، إلى جانب تقييد فرص الحصول على التمويل الدولي، سيؤثر بصورة مباشرة في حركة الشركات الحكومية وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، كما سيضاعف الضغوط على الاقتصاد السوداني، الذي يعاني أصلاً من تراجع الإنتاج، وانخفاض الإيرادات، وارتفاع معدلات التضخم.

ويشير مراقبون إلى أن هذه العقوبات تأتي ضمن استراتيجية أميركية أوسع تستهدف تجفيف مصادر تمويل الحرب، في ظل قناعة متزايدة لدى المجتمع الدولي بأن استمرار النزاع يرتبط أيضاً بوجود اقتصاد موازٍ نشأ خلال سنوات الصراع، يعتمد على السيطرة على الموارد الطبيعية، وفرض الجبايات، والاستفادة من الأنشطة التجارية غير الرسمية.

إلى ذلك، يرى محللون أن العقوبات، مهما بلغت شدتها، لن تكون كافية وحدها لإنهاء الحرب، ما لم تترافق مع تحرك دبلوماسي أكثر فاعلية، وضمانات سياسية تفتح الطريق أمام عملية تفاوضية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية.

وفي قراءة مغايرة، يرى المحلل السياسي د. عزام عبد الله إبراهيم أن التصعيد الأميركي الأخير لا يمكن فصله عن متغيرات جيوسياسية أوسع تتعلق بإعادة تشكيل موازين النفوذ الدولي في السودان.

وقال إبراهيم، في منشور على صفحته بـ«فيسبوك»، إن تشديد العقوبات الأميركية، بالتزامن مع تصاعد الخطاب السياسي والعسكري الصادر عن قيادة الجيش، يعكس – بحسب تقديره – قلق واشنطن من تنامي التقارب بين قيادة الجيش والحركة الإسلامية من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى.

وأضاف أن محاولات التقارب مع موسكو ليست جديدة، إلا أن المرحلة الحالية تختلف، وفقاً لرؤيته، في ظل وجود مؤشرات على تفاهمات روسية تتعلق بتعاون عسكري يشمل تزويد الجيش بأسلحة جديدة، إلى جانب تفاهمات مع الصين، وهي تطورات يرى أن الولايات المتحدة تنظر إليها باعتبارها مساساً بالتوازنات الاستراتيجية في المنطقة.

واعتبر إبراهيم أن أي انفتاح على موسكو وبكين قد يعني خروجاً جزئياً للجيش السوداني من دائرة النفوذ التقليدية للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، وهو ما يفسر، بحسب رأيه، تشديد العقوبات وارتفاع حدة الخطاب الأميركي خلال الفترة الأخيرة.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة ظلت، خلال السنوات الماضية، قادرة على التأثير بصورة غير مباشرة في مسار الحرب عبر شبكة من الحلفاء الإقليميين، إلا أن انخراط روسيا والصين بصورة أكبر في الملف السوداني قد يفرض معادلة جديدة، تتحول فيها الأزمة من صراع تحكمه توازنات إقليمية إلى ساحة تنافس بين القوى الدولية الكبرى.

ويرى إبراهيم أن نجاح هذا المسار قد ينقل الحرب السودانية إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتحول فيها من حرب بالوكالة ذات أبعاد إقليمية إلى صراع تتداخل فيه حسابات القوى الدولية المتنافسة، بما قد يطيل أمد النزاع، ويجعل فرص التوصل إلى تسوية سياسية أكثر تعقيداً.

ورغم تباين القراءات بشأن دوافع العقوبات الأميركية وأهدافها، يتفق مراقبون على أن السودان يقف أمام مرحلة مفصلية، تتصاعد فيها الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية.

ويؤكدون أن مستقبل الأزمة سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف السودانية على تغليب خيار التسوية السياسية، واستثمار أي توافق إقليمي أو دولي لإنهاء الحرب، ومنع تحول السودان إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الدولية المتنافسة، بما يفاقم الأزمة ويعقد فرص الوصول إلى سلام مستدام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.