واشنطن تضيق الخناق على شبكات التسليح.. ما مدى تأثير العقوبات على حكومة بورتسودان وفرص السلام؟
تقرير : عين الحقيقة
أحدثت العقوبات الأخيرة التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية هزّة جديدة في ملف الاقتصاد العسكري بالسودان، مسلطةً الضوء على خيوط خفية تغذي الآلة الحربية لطرفي النزاع.
وركّزت العقوبات الامريكيه على مفاصل حيوية ترتبط مباشرة بمنظومة التصنيع والتموين العسكري التابعة للجيش الذي يهيمن عليه الإسلاميين وحكومة بورتسودان .
فما هي الأبعاد الحقيقية لهذه العقوبات؟ وكيف ستؤثر على القدرات العملياتية للجيش؟ وهل تملك القدرة على دفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات ؟
و لعل تأثير العقوبات على الجيش وحكومة بورتسودان تمثل تحولاً نوعياً لأنها لم تكتفِ باستهداف الكيانات السياسية أو العسكرية بشكل فضفاض، بل تفكك سلاسل التوريد واللوجستيات الإستراتيجية التي تعتمد عليها حكومة بورتسودان لإدارة المعارك، ويظهر ذلك جلياً في ثلاثة مسارات رئيسية، ضرب العصب التصنيعي للذخائر، حيث إن استهداف شركة TMAC ومديرها طارق حسين، إلى جانب شركة SBL Energy الهندية، يقطع شريانًا رئيسيًا لتوريد المواد المتفجرة التي بلغت أكثر من 200 شحنة.
هذه المواد تدخل مباشرة في تصنيع القنابل الجوية والقذائف التي تعتمد عليها القوات المسلحة كعنصر تفوق ميداني في مواجهة قوات الدعم السريع.
و يكشف استهداف شركة Ports Engineering العاملة في بورتسودان عن لجوء الجيش إلى واجهات مدنية واستثمارية لتمرير صفقات عسكرية وأمنية (مثل مستلزمات المخابرات والذخائر من تركيا).
إذ أن العقوبات تجعل التعامل مع أي شركة تابعة لمجموعة “جياد” أو “منظومة الصناعات الدفاعية” بمثابة مخاطرة قانونية ومالية عالية للشركات الدولية، مما يعزل هذه الواجهات عن السوق العالمي.
و تُجبر هذه الإجراءات المؤسسات العسكرية على البحث عن مسارات بديلة وأكثر تعقيدًا وتكلفة للحصول على النقد الأجنبي والمواد الخام، مما يزيد من العبء المالي على حكومة بورتسودان التي تعاني أصلاً من شلل اقتصادي شبه كامل جراء استمرار الحرب.
و السؤال الاكثر تعقيدا هل تدفع العقوبات باتجاه عملية السلام؟ بالنظر الي دعوة واشنطن بالتزامن مع هذه العقوبات إلى هدنة إنسانية مشروطة لمدة ثلاثة أشهر، ومع ذلك، ينقسم الخبراء والمراقبون حول مدى فاعلية هذه العقوبات في تحقيق السلام إلى مسارين، سيناريو الضغط الفعّال (الدفع نحو السلام)
يرى هذا الاتجاه أن تضييق الخناق على مصادر السلاح والذخيرة للجيش.
و عندما تدرك حكومة بورتسودان أن كلفة الاستمرار في الحرب تتضاعف مع خسارة الحلفاء والموردين الدوليين، قد تجد نفسها مضطرة للقبول بتنازلات سياسية والجلوس إلى طاولة المفاوضات.
و هنالك سيناريو الالتفاف والجمود (استمرار الحرب)
في المقابل، يرى واقع مسار الحروب الأهلية أن العقوبات على الشبكات قد لا تكون كافية لفرض السلام؛ نظراً لأن حكومة بورتسودان تمتلك شبكات تحالف بظلال إقليمية ايدوليجية واسعة تتيح لهم ابتكار طرق تهريب وشركات وهمية جديدة بسرعة تفوق رصد وزارة الخزانة الأمريكية. علاوة على ذلك، ترى القيادة العسكرية في بورتسودان أن المعركة هي معركة وجودية للدولة ومؤسساتها، مما قد يدفعها للارتماء أكثر في أحضان حلفاء دوليين مناهضين لواشنطن (مثل إيران وروسيا) لتأمين السلاح والغطاء السياسي، بدلاً من التراجع، لكن يبقي تشديد واشنطن من تنفيذ عقوباتها هو الحل.
و يبدو أن الإدارة الأمريكية تثبت من خلال هذه الحزمة أنها تتبنى إستراتيجية “قطع الأطراف” عبر ملاحقة الموردين والمسهلين الدوليين بدلاً من الاكتفاء بمعاقبة القيادات العسكرية المباشرة.
وفي حين أن هذه العقوبات ستؤدي حتماً إلى إبطاء وتيرة الإمداد العسكري وزيادة الضغط المالي واللوجستي على حكومة بورتسودان، إلا أن تحويل هذا الضغط إلى عملية سلام حقيقية يظل رهناً بمدى تماسك الموقف الدولي، وقدرة واشنطن على إغلاق منافذ الالتفاف الإقليمية التي لا تزال تتدفق عبرها الأموال والسلاح إلى أتون الحرب السودانية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.