هكذا هي الجماعة التي حكمت السودان بالدجل والشعوذة والكهانة والعرافة، لا تستغرب لمنتوجها المهرج الممثل لجيشها الذي هزمته قوات الدعم السريع وجندلت جنوده وقادته وارغمتهم على تقليد أصوات الخراف والنعاج والكلاب وجميع الحيوانات، الدويلة الاخوانية التي انقلبت على الشرعية أكثر من مرة لا ترجو منها غير انتاج المهرجين والغوغائيين والمشائين بين الناس بالنميمة، لا شيء غير هذا المنتوج الهلامي يمكن لمشروع حسن الترابي أن ينتجه، في زمان الحرب ارتفعت أصوات الفارغين إلّا من السفاهة وقلة الحياء والأدب، وتبوأ أصحاب الحلاقيم الكبيرة المناصب وانزوى العلماء الضالعين في علوم الدين والدنيا، الأتقياء والأنقياء المتخصصين الحاصلين على أعلى درجات التحصيل العلمي من أرقى الجامعات العالمية والمحلية، كثرت الظواهر الصوتية النشاز واختفى الاحتفاء بالقراءة والكتابة وصانعي محتوياتها، وانشغل الناس بالإنصرافييين الذين يبيعونهم الوهم الزائف والنصر الكاذب والمستقبل غير الآمن، فحرفوا الذائقة السودانية التي نشأت على قراءة اجود الكتب القادمة من مراكز الثقافة الأوروبية والشرق أوسطية، وطفح على سطح الحياة العامة الطفابيع والهوام والسابلة وممتهني الجهل، فهنيئاً لحسن الترابي في غيابه هذا النموذج الفخيم من الحلاقيم الكبيرة والعقول الصغيرة الدائرة لشأن البلاد والخادعة للعباد، فهذه نتيجة من يحتفي بالهتاف ويهمل اعمال العقل والفكر.
لقد حذّّّر العاقلون منظومة حكم الإنقاذ عندما سطت على الشرعية، ونصحوها بعدم الزج بالنظام التعليمي في غرفة عملياتها غير المنضبطة بضوابط العلم والأدب والأخلاق، لكن لا حياة لمن سرق ونهب وقتل واغتصب، لما بنفسه من خصيصة الانغماس في الفعل الحرام، إن تخريب السلم التعليمي ها هي نتائجه ماثلة للعيان، امتلأت بها دواوين الدولة – إعلاميون فاشلون وكتاب تائهون وساسة ناقصون وعسكر منحرفون، إنّ خطيئة نحر المؤسسة التعليمية جرت الينا مثل هذه المهزلة، وأظن الكاهن الأكبر والعراب الراحل كان على علم بما سيئول إليه الحال، بما أن همه التمكين، فالتمكين في وسط اجتماعي كانت فيه المدارس الابتدائية تخرج الطالب القادر على الكتابة والقراءة والإدارة في مستوياتها الدنيا، لن يتحقق، لذلك أغلب الظن أن الرجل عمل بجد لهذا المستقبل البائس الذي بيننا، لضمان استمرار حكم الجماعة المنحرفة المنهج والسلوك، بتجهيل الناس ووضع الرويبضة على رأس الناس في مجالس الأحياء واللجان الشعبية، وتجنيد الفاقد التربوي الهائم على وجهه في بلدان الغرب ليكون بوقاً مهرجاً ينفث سموم الجهل في قطاعات عريضة من عامة الناس، فمن الطبيعي أن ينخرط الفاشلون في الكسب المعرفي ببلدان الغرب في المشروع الحضاري الذي يعتمد على الجهل دون العلم، ويعلي من شأن النشوز والشذوذ ويدني من رؤوس الشرفاء والنبلاء والأطهار، هكذا ساقنا مشروع الاخوان الحضاري لهذه الخلاصة المؤسفة.
وهنيئاً لمنظومة الحكم التأسيسي أن استوعبت الكفاءات الحقيقية، وخرجت من مطب المشروع الحضاري الاخواني، فأول ما فطنت له هو التعليم، فاستدركت الخطأ وعالجته بانقاذ طلاب الشهادة السودانية والبدء في بناء هياكل التعلم العالي، وقريباً سيتجه الطلاب من جغرافيا سيطرة الجيش الى مدن التأسيس للحصول على القيمة، فالعلم يرفع بيت لا عماد له والجهل يهدم بيت العز والشرف، كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي، وهنيئاً لسلطة بورتسودان بأبي (جهل) فهي جديرة بالجاهلين والجاهلات اللائي ملأن المدينة جيئة وذهابا يرددن ألأهازيج المرتبطة بلغة قاع المدينة، هذا هو الفرق بين الضوء والظلام، فلو تركت سلطة الأمر الواقع في بورتسودان لحالها لوقعت في براثن الضياع لما تحمله من بذور فنائها بداخلها، وكفى بها ضياعاً احتقائها بالجهل والجهلاء واحتفالها بالقادة الهاربين من ميادين المعارك، وارتهانها لمشورة المرتزقة الذين ما دخلوا قصر ملك إلّا زال ملكه، لقد دحلوا باب العزيزية فانهار ملك القذافي، ثم هرولوا لقصر إدريس دبي فراح ضحية لأطماع فرنسا، وهربوا الى سلفاكير فتخلص منهم فيما سمي بخازوق اتفاقية جوبا، ثم التفوا حول النائب الأول آنذاك فاخرجوه للعراء وأداروا دولاب الدولة لمصالحهم المعدنية، فسعيد خري باستقبال سعيدة يوم أمس، فالجهل والقتل صديقان، والرويبضة والسارق توأمان سياميان لا يفصلهما إلّا الجرّاح الماهر.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.