ما هي خطة الإسلاميين في شرق السودان خلف ستار المليشيات العائدة من إريتريا؟
تقرير ـ عين الحقيقة
يتحول إقليم شرق السودان الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر إلى ساحة شطرنج معقدة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالطموحات السياسية لتيار “الإسلاميين”، والذين يتخذون من مدينة بورتسودان الساحلية، مركزاً لإدارة ثقلهم السياسي والعسكري وسط المعركة المستعرة بين الجيش وقوات الدعم السريع.
مع عودة ثلاث مليشيات أهلية مسلحة مؤخراً من الأراضي الإريترية وتمركزها في الإقليم بموجب تفاهمات مع الجيش السوداني، برزت تساؤلات حتمية حول المخطط الذي يقوده الإسلاميون لإعادة صياغة المشهد في الشرق
ومع عودة ثلاث مليشيات أهلية مسلحة مؤخراً من الأراضي الإريترية وتمركزها في الإقليم بموجب تفاهمات مع الجيش السوداني، برزت تساؤلات حتمية حول المخطط الذي يقوده الإسلاميون لإعادة صياغة المشهد في الشرق، وكيف يخططون لاستغلال هذه القوى لتأمين بقائهم السياسي وضمان السيطرة على البوابة البحرية الوحيدة للبلاد.
و جاءت خطوة عودة الفصائل المسلحة من إريتريا كترتيب أمني وسياسي حظي بمباركة قيادة القوات المسلحة. وشملت هذه القوى فصائل ذات ثقل قبلي وإثني بارز في مجتمع “البجا” ومكونات الشرق، الجبهة الوطنية لشرق السودان بقيادة الجنرال محمد صالح أكد، والذي أعلن صراحة انخراط قواته في خندق الجيش ضمن ما يصفها بـ”معركة الكرامة”.
و مؤتمر البجا بقيادة المساعد السابق للبشير، موسى محمد أحمد، وهو فصيل تاريخي يتمتع بعلاقات ممتدة مع النظام السابق. و هنالك الحركة الوطنية للعدالة والتنمية بقيادة محمد طاهر سليمان بيتاي، والتي سبقت الجميع في التنسيق الأمني والانتشار.
و حركة تحرير شرق السودان بقيادة إبراهيم عبد الله دنيا.
بينما يرى الإسلاميون في هذه الحركات طوق نجاة لتعزيز جبهة إسناد الجيش وتأمين العمق الاستراتيجي للشرق، فإن دخول هذه المجموعات بأسلحتها يفتح الباب أمام سيناريوهات الاستقطاب الحاد، نظراً للخلفيات السياسية والمطالب المتباينة لقادتها.
و تتقاطع القراءات التحليلية للمشهد حول ثلاثة أهداف رئيسية يسعى تيار الإسلاميين إلى تحقيقها عبر تكتيك حشد الحركات المسلحة في الشرق بصناعة حائط صد عسكري، إذ تخشى سلطة بورتسودان والتيار الإسلامي الداعم لها من أي اختراق عسكري لقوات الدعم السريع نحو ولايات الشرق الثلاث (القضارف، كسلا، والبحر الأحمر). وتمثل هذه القوى العائدة، بامتداداتها القبلية على الحدود الإريترية، “الخط الدفاعي الثاني” للجيش، مما يتيح للأخير التفرغ لجبهات القتال الساخنة في مناطق وسط وغرب البلاد.
و من ضمن اهداف الإسلاميين قطع الطريق أمام الحركات الانفصالية، حيث يدرك الإسلاميون أن حالة التململ التاريخي في الشرق من “تغول المركز” لا تزال حية، وعبر استيعاب هذه الحركات داخل منظومة التنسيق مع الجيش، يسعى الإسلاميون إلى سحب البساط من تحت أقدام أي دعوات تسعى لإعلان الإقليم “سلطة معزولة” أو مستقلة عن حكومة بورتسودان، وتأطير المشهد كاملاً في قالب التعبئة والاستنفار الوطني.
اما الهدف الثالث يتمثل في هندسة الخارطة السياسية المستقبلية بموجب تمكين القيادات التقليدية والموالية، يضمن التيار الإسلامي صناعة نخب جديدة في الشرق تدين بالولاء للمركز الحالي، وتضمن حجز مقاعد متقدمة في أي مفاوضات سياسية أو تسوية شاملة قد تشهدها البلاد مستقبلاً لإنهاء الحرب.
مواقف “دنيا” السابقة تمثل حجر عثرة أمام مخطط الاستيعاب الكامل الذي يسعى إليه الإسلاميون. وكان إبراهيم دنيا قد أطلق تحذيرات شديدة اللهجة لسلطة بورتسودان، رفض فيها بشكل قاطع
الزج بقواته كوقود في الحرب الحالية
معضلة “إبراهيم دنيا”: الصوت الرافض للتبعية
و على الرغم من إعلان حركة تحرير شرق السودان (بقيادة إبراهيم دنيا) في تصريح صحفي مؤخراً عن اكتمال تمركز قواتها في معسكراتها داخل الإقليم “بالتنسيق مع الحلفاء”، إلا أن مواقف “دنيا” السابقة تمثل حجر عثرة أمام مخطط الاستيعاب الكامل الذي يسعى إليه الإسلاميون. وكان إبراهيم دنيا قد أطلق تحذيرات شديدة اللهجة لسلطة بورتسودان، رفض فيها بشكل قاطع
الزج بقواته كوقود في الحرب الحالية، مؤكداً أنها حرب لم يساهم أبناء الشرق في إشعالها ولن يقاتلوا فيها لإرضاء أي طرف سياسي أو عسكري.
مطالباً بإشراك حقيقي لأبناء المنطقة في القرارات المصيرية وهيكل السلطة. هذا التباين يضع الخطة الإستراتيجية للإسلاميين أمام اختبار حقيقي: هل ينجح المركز في ترويض موقف حركة دنيا عبر التفاهمات اللوجستية والأمنية الأخيرة، أم أن الحركة ستتحول إلى نواة لتمرد داخلي صامت يرفض التجييش الأيديولوجي؟
و يراهن الإسلاميون في شرق السودان على استراتيجية “الاحتواء المتبادل” مع الحركات العائدة من إريتريا؛ مستغلين حاجة هذه الفصائل للاعتراف والشرعية، مقابل استخدامها كقوة إسناد عسكري وسياسي. لكن هذه الخطة تظل محفوفة بالمخاطر؛ فإقليم شرق السودان، المحتقن قبلياً واقتصادياً، قد لا يتحمل طويلاً معادلة حشد السلاح، وتحديداً إذا ما اصطدمت طموحات المركز السياسي ببورتسودان مع مطالب قادة الحركات المسلحة الداعية لإنهاء تهميش الإقليم جغرافياً وسياسياً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.