في الوقت الذي تتسع فيه رقعة إضراب المعلمين في عدد من الولايات السودانية، وتتعالى الأصوات المطالبة بتحسين الأجور وإنقاذ العملية التعليمية من الانهيار، برزت تساؤلات متزايدة حول قدرة القوى السياسية المتحالفة مع السلطة، وعلى رأسها التيار الإسلامي المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، على احتواء هذا الحراك أو إضعافه عبر وسائل سياسية وإدارية وتنظيمية مختلفة.
إضراب المعلمين الحالي لا يُنظر إليه باعتباره مجرد خلاف حول المرتبات أو المتأخرات المالية، بل أصبح تعبيراً عن أزمة أعمق يعيشها السودان في ظل الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات العامة. فالمعلم الذي كان يشكل إحدى ركائز الطبقة الوسطى أصبح اليوم عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة لأسرته، بعد أن فقدت الرواتب جزءاً كبيراً من قيمتها نتيجة التدهور المستمر في سعر صرف الجنيه وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة غير مسبوقة.
ومنذ انطلاق الإضراب، حاولت بعض الجهات التقليل من حجمه أو التشكيك في دوافعه، بينما اتهم ناشطون ومراقبون أطرافاً محسوبة على الحركة الإسلامية بالسعي إلى إعادة تنشيط أجسام نقابية فقدت تأثيرها خلال السنوات الماضية، بهدف خلق بدائل موالية للسلطة وإضعاف لجنة المعلمين التي تقود الحراك المطلبي. ويرى هؤلاء أن المعركة لم تعد تتعلق فقط بالمطالب المعيشية، بل امتدت إلى من يمثل المعلمين ومن يمتلك حق التحدث باسمهم.
لكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن الأزمة أكبر من أن تُعالج عبر المناورات التنظيمية أو الحملات الإعلامية. فالأوضاع الاقتصادية التي دفعت المعلمين إلى الإضراب لا تزال قائمة، بل تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. كما أن حالة التضامن الشعبي التي أظهرها كثير من أولياء الأمور والناشطين مع مطالب المعلمين تعكس إدراكاً متزايداً بأن انهيار أوضاع المعلم يعني بالضرورة انهيار مستقبل التعليم بأكمله.
ويرى خبراء في الشأن الاجتماعي أن أي محاولة لكسر الإضراب دون معالجة جذوره الحقيقية لن تحقق استقراراً دائماً للعملية التعليمية. فالمعلم الذي لا يستطيع دفع تكلفة المواصلات أو توفير احتياجات أسرته الأساسية لن يكون قادراً على أداء رسالته التربوية بالكفاءة المطلوبة، مهما كانت الضغوط الإدارية أو السياسية المفروضة عليه.
كما أن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن الحلول المؤقتة والوعود غير المنفذة لم تعد تقنع العاملين في قطاع التعليم. فالمطالب المطروحة اليوم تتعلق بالحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، وليس بمزايا استثنائية أو امتيازات خاصة. ولهذا يبدو أن الرهان على إنهاك المعلمين أو انتظار تراجعهم تحت وطأة الظروف الاقتصادية قد لا يكون خياراً ناجحاً على المدى الطويل.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الإخوان المسلمون أو أي جهة أخرى قادرين على كسر الإضراب، بل ما إذا كانت السلطات قادرة على تقديم حلول واقعية تعالج أسباب الأزمة. فالإضرابات لا تنشأ من فراغ، وإنما هي نتيجة مباشرة لتراكم المظالم والضغوط الاقتصادية وفقدان الثقة في الوعود الرسمية.
وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم الأزمة المعيشية، تبدو الحاجة ملحة إلى حوار جاد ومسؤول مع المعلمين والاستجابة لمطالبهم المشروعة، لأن مستقبل التعليم لا يحتمل مزيداً من التأجيل أو المساومات السياسية. أما محاولة الالتفاف على الأزمة أو التعامل معها بمنطق المواجهة، فلن تؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين السلطة والعاملين في قطاع يمثل أحد أهم أعمدة بناء الدولة والمجتمع.
ويبقى المؤكد أن قوة أي إضراب لا تُقاس فقط بعدد المشاركين فيه، بل أيضاً بعدالة القضية التي يدافع عنها. وفي حالة المعلمين السودانيين، تبدو الرسالة واضحة: لا تعليم مستقراً من دون معلم قادر على الحياة بكرامة، ولا مستقبل للبلاد إذا استمر تجاهل الأزمة التي يعيشها قطاع التعليم عاماً بعد عام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.