فجرت تسريبات عن اتفاق طويل الأجل لاستغلال خام النحاس في منطقة أرياب بولاية البحر الأحمر موجة جديدة من الجدل السياسي في السودان، وسط اتهامات لقوى سياسية ومدنية لتيارات إسلامية نافذة داخل سلطة بورتسودان باستغلال ظروف الحرب وغياب المؤسسات الدستورية لتمرير صفقات تتعلق بالموارد السيادية بعيدا عن الرقابة والشفافية.
وتأتي هذه الاتهامات في وقت تعيش فيه البلاد حربا مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، أدت إلى انهيار أجزاء واسعة من مؤسسات الدولة وتعطيل البرلمان وأجهزة الرقابة، الأمر الذي يقول منتقدون إنه وفر بيئة لاتخاذ قرارات استراتيجية تمس ثروات البلاد دون رقابة تشريعية أو مجتمعية.
وبحسب معلومات مسربة نشرها موقع “أفق جديد” نقلا عن مصادر وصفها بالحكومية في قطاع التعدين بمدينة بورتسودان، فإن وزارة المعادن أبرمت اتفاقا مع شركة زيجين للتعدين الصينية يمنحها حقا حصريا لاستكشاف وتطوير واستخراج النحاس في منطقة أرياب، بموجب امتياز يمتد إلى 30 عاما، مع إمكانية التجديد لمدة 20 عاما إضافية.
ووفقًا للتسريبات، تبلغ قيمة الاستثمار نحو 300 مليون دولار، بينما تشير تقديرات متداولة إلى أن احتياطيات المنطقة تقترب من خمسة ملايين طن من النحاس، بقيمة سوقية تتجاوز 17 مليار دولار. كما أفادت المعلومات بأن الاتفاق يمنح الشركة الصينية 70% من الأرباح، مقابل 30% للسودان، تحتسب بعد استرداد الشركة كامل تكاليفها الرأسمالية والتشغيلية، وهو ما أثار انتقادات بشأن حجم العائد المتوقع للدولة.

ويرى منتقدو الاتفاق أن توقيته يثير تساؤلات، إذ يأتي في ظل غياب المؤسسات التشريعية والرقابية التي يفترض أن تراجع مثل هذه العقود، معتبرين أن أي التزامات طويلة الأجل تتعلق بالموارد الطبيعية ينبغي أن تخضع لنقاش وطني واسع وأن تنشر تفاصيلها للرأي العام.
كما تحدثت التسريبات عن ترتيبات لتنفيذ المشروع عبر شركة تحمل اسم “هونغ كونغ للتعدين” وسط مزاعم بأن الخطوة تهدف إلى تجاوز قيود دولية مرتبطة بالشركة الأم، وهي معلومات لم يصدر بشأنها أي تأكيد رسمي، كما لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة.
بينما لم تصدر السلطات في بورتسودان أو وزارة المعادن تعليق رسمي على ما ورد في التسريبات، كما لم ينشر نص الاتفاق، الأمر الذي زاد من المطالبات بالإفصاح عن تفاصيل أي تعاقدات تتعلق بقطاع التعدين.
وفي المقابل أعلنت مكونات سياسية ومجتمعية في شرق السودان، من بينها المجلس الاستشاري لشرق السودان ومؤتمر البجا، رفضها لأي اتفاقات استراتيجية تبرم في ظل الأوضاع الحالية، مطالبة بوقف الإجراءات إلى حين قيام مؤسسات دستورية منتخبة قادرة على مراجعة العقود المتعلقة بالثروات القومية.
ويعكس الجدل المتصاعد حول الاتفاق المسرب حجم الانقسام بشأن إدارة الموارد الطبيعية خلال فترة الحرب، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تعزيز الشفافية وضمان ألا تتحول الأزمة الراهنة إلى مدخل لإبرام التزامات طويلة الأجل قد تؤثر على مستقبل الاقتصاد السوداني وحقوق الأجيال القادمة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.