هل يعوض التحشيد القبلي إسلاميي السودان عن شعارهم الكاسد «هي لله» ..؟

تقرير ـ عين الحقيقة

 

​تتجه التطورات الميدانية والسياسية في السودان نحو مزيد من التعقيد، مع استمرار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. وفي غمرة هذا التصعيد، تتزايد المؤشرات والإشارات إلى أدوار فاعلة للحركة الإسلامية ، في إعادة التموضع داخل المشهد عبر مسارات تتقاطع مع الفوضى الممتدة وتغذيتها.

​ولم تعد الحرب الجارية مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين قوتين مسلحتين، بل تحولت إلى بيئة مفتوحة لإعادة تشكيل النفوذ داخل بنية الدولة.

وتستفيد القوى المرتبطة بالنظام السابق بشكل مباشر من استمرار الانقسام وتراجع مؤسسات الدولة السيادية، بما يتيح لها هامش حركة أوسع في الخلفية السياسية، العسكرية، والاقتصادية.


و ​تؤكد الشواهد أن جماعة الإخوان في السودان لم تتعامل مع التحولات التي أعقبت سقوط نظامهم في ثورة ديسمبر كفرصة لمراجعة التجربة أو كمرحلة سياسية جديدة، بل اعتبرتها خسارة مباشرة لموقعها الاحتكاري داخل أجهزة الدولة.

ومع بروز المطالب الشعبية الواسعة بإقامة دولة مدنية تقوم على التداول السلمي للسلطة وإنهاء منظومة “التمكين”، باتت عودة الجماعة عبر المسار السياسي الديمقراطي أو الانتخابي أمراً بالغ التعقيد.

​هذا الواقع دفع الجماعة إلى تبني سلوك عسكري وسياسي يقوم على استثمار الأزمات وتعميقها بدلاً من المساهمة في احتوائها.

وتتجلى هذه الاستراتيجية في مستويين رئيسيين،
في بداية النزاع، حاولت المنابر الإعلامية المحسوبة على التيار الإسلامي إحياء الشعارات القديمة لحرب الجنوب في التسعينيات، مثل شعار «هي لله.. لا للسلطة ولا للجاه»، بهدف تجييش الشارع تحت غطاء “الجهاد والاستشهاد”. إلا أن هذا الخطاب واجه جموداً وعدم استجابة من جيل الشباب الجديد، مما أفقد الشعار بريقه وجاذبيته الحشدية.

​و بعد فشل التعبئة العقائدية، انتقلت الخطة بديلة نحو تشكيل ميليشيات أهلية موازية للجيش في مناطق شمال، شرق، ووسط البلاد وجاء هذا التحشيد القبلي بذريعة حماية المجتمعات المحلية من خطر تقدم قوات الدعم السريع، لكنه في الجوهر يهدف إلى حماية مشروع الجماعة وضمان وجودها كطرف في أي معادلة مستقبلية.

و ​يرى مراقبون أن أخطر ما في هذا المسار يتمثل في تحويل الحرب من نزاع سياسي وعسكري حول السلطة وإصلاح المنظومة الأمنية، إلى صراع هوياتي وجودي قائم على التعبئة القبلية والأيديولوجية. هذا التحول يعمّق الاستقطاب الرأسي داخل المجتمع، ويزيد من صعوبة الوصول إلى أرضية مشتركة أو تسوية سياسية بين الفرقاء.

و يشير الخبراء إلى إن توظيف الانقسامات القبلية والجهوية يفاقم هشاشة النسيج الاجتماعي السوداني المنهك أساساً، ويحوّل التباينات الداخلية التاريخية إلى قنابل موقوتة وأدوات إضافية لإطالة أمد الصراع، بدلاً من احتوائه ضمن إطار وطني جامع.

​وتتصاعد حالة التشكيك والمقاومة من قِبل واجهات النظام السابق لكل مسارات الحوار والمبادرات الإقليمية والدولية؛ فكلما اقتربت الأطراف العسكرية من تفاهمات أو لوائح وقف إطلاق النار، تحركت الآلة الإعلامية والميدانية للإسلاميين لإجهاضها، مما يعكس توتراً بنيوياً مع فكرة التسوية ذاتها التي قد تقلص هامش نفوذهم وتنهي طموح العودة إلى السلطة عبر فوهة البندقية.

 

و ​لا ينفصل السلوك الحالي لإخوان السودان عن النمط المتكرر الذي أظهرته تجارب حركات الإسلام السياسي في عدد من دول المنطقة؛ حيث تلجأ هذه الجماعات عند فقدانها للسلطة عبر الوسائل السياسية التقليدية أو الثورات الشعبية إلى إعادة إنتاج نفوذها من خلال تأزيم المشهد، وإضعاف مؤسسات الدولة المركزية، وخلق كيانات مسلحة موازية، دون التفات إلى الكلفة البشرية والاجتماعية الباهظة.

​ومع استمرار عمليات التسليح العشوائي تحت غطاء المقاومة الشعبية القبلية، يواجه السودان خطر الانزلاق نحو حرب أهلية شاملة متعددة الأقطاب، تتجاوز في خطورتها المواجهة الحالية بين الجيش والدعم السريع، مما يجعل شبح “الفوضى الصومالية” أو التفتيت أقرب من أي وقت مضى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.