انسحاب جنيف.. هل أخطأت حكومة بورتسودان في معركة الرواية أمام المجتمع الدولي؟
تقرير: عين الحقيقة
أثار انسحاب وزير خارجية حكومة الأمر الواقع في بورتسودان من جلسة مجلس حقوق الإنسان في جنيف تساؤلات واسعة بشأن دلالات هذه الخطوة وتوقيتها، في وقت تتداخل فيه المعارك العسكرية على الأرض مع صراع سياسي ودبلوماسي متصاعد داخل أروقة المؤسسات الدولية.
فالانسحاب، وإن قُدِّم باعتباره رسالة احتجاج على ما تعتبره الحكومة إجراءات أو تقارير تفتقر إلى الحياد، فإنه يحمل، في المقابل، كلفة سياسية لا تقل أهمية عن الرسالة التي سعت إلى إيصالها.
ففي المحافل الدولية، لا تُقاس المواقف بما يُعلَن خارج القاعات بقدر ما تُقاس بما يُقدَّم داخلها من دفوع قانونية وسياسية وأدلة مضادة، وبمدى القدرة على التأثير في مسار النقاشات وصياغة القرارات.
ويرى مراقبون أن الساحة الدولية أصبحت أحد أهم ميادين الصراع السوداني، حيث تتنافس الأطراف على كسب الشرعية والتأثير في الرأي العام العالمي وصنّاع القرار، وهو ما يجعل الغياب عن جلسات النقاش يتيح مساحة أوسع للروايات الأخرى لتقديم نفسها من دون مواجهة مباشرة.
وفي ظل استمرار الحرب، باتت الحكومة التي يقودها الجيش، برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تواجه تحديات تتجاوز العمليات العسكرية، إذ أصبحت مطالبة بالدفاع عن مواقفها أمام المؤسسات الدولية، والرد على الاتهامات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، وتقديم رواية تستند إلى الوقائع والوثائق، بما يحافظ على حضورها السياسي والدبلوماسي.
ومع ذلك، فإن تفسير الانسحاب باعتباره دليلاً على “هزيمة الجيش السوداني” يظل استنتاجًا يتجاوز ما تسمح به الوقائع المتاحة. فالنتائج العسكرية على الأرض تخضع لعوامل ميدانية معقدة، ولا يمكن اختزالها في موقف دبلوماسي واحد، مهما بلغت أهميته. غير أن الخطوة قد تُفهم بوصفها مؤشرًا على صعوبة إدارة المعركة السياسية في الخارج، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية المرتبطة بمسار الحرب.
كما قد ينعكس الانسحاب على صورة حكومة بورتسودان لدى بعض الدوائر الدولية، إذ قد يُفسَّر على أنه تقليص لفرص الحوار والدفاع عن الموقف الرسمي، في حين يمنح الأطراف الأخرى مساحة أوسع لعرض روايتها من دون اعتراض مباشر، وهو ما قد يؤثر في تشكيل المواقف الدولية خلال المرحلة المقبلة.
ويؤكد تطور الأزمة السودانية أن الحرب لم تعد تُحسم بالسلاح وحده، بل أصبحت تُخاض أيضًا في ميادين القانون الدولي والإعلام والدبلوماسية. وفي هذا السياق، تبدو القدرة على الحضور والمرافعة وكسب التأييد الدولي جزءًا أساسيًا من أدوات إدارة الصراع، تمامًا كما تمثل التطورات العسكرية عنصرًا رئيسيًا في معادلة القوة على الأرض.
ويبقى انسحاب جنيف حدثًا سياسيًا يحمل رسائل متعددة، لكنه لا يمثل نهاية المعركة الدبلوماسية ولا حسمًا لمسار الحرب. غير أن استمرار الغياب عن منصات النقاش الدولية قد يزيد من صعوبة الدفاع عن المواقف الرسمية، ويترك المجال أمام الأطراف الأخرى لصياغة الرواية التي قد تصبح، مع مرور الوقت، الأكثر حضورًا وتأثيرًا في المجتمع الدولي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.