(البرهان): لن نسلم البلد إلا بتراضٍ وطني… ونقول: كفى حرباً وتهجيراً ودماراَ.. فلتتنحَّ
تيسير المبارك
حين يقول البرهان: “لن نسلم البلد إلا بتراضٍ وطني بين كافة السودانيين”، يبدو الشعار في ظاهره مطمئناً، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يتحقق هذا التراضي بينما تستمر الحرب، وتتسع رقعة النزوح، ويزداد عدد الضحايا، وتتراجع فرص الحياة الكريمة لملايين السودانيين؟ إذا كان التراضي الوطني هو الهدف، فإن أول شروطه أن تتوقف البنادق، وأن تُفتح أبواب السياسة بدلاً من ساحات القتال. فلا يمكن الحديث عن توافق شامل في بلد يعيش واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في تاريخه، حيث فقد ملايين المواطنين منازلهم، وانهارت الخدمات الأساسية، وأصبحت الحياة اليومية معركة من أجل البقاء.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لهذه الحرب. مدن دُمرت، وأسر تفرقت، وأطفال حُرموا من التعليم، ومرضى فقدوا حقهم في العلاج، واقتصاد يواجه تحديات غير مسبوقة. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد المواطن يسأل من ينتصر عسكرياً، بل يسأل: متى تنتهي الحرب؟
من هنا، يرى كثيرون أن أي حديث عن مستقبل السودان يجب أن يبدأ بوقف القتال، لا بتأجيله. فالشرعية السياسية لا تُبنى فقط على الشعارات، وإنما على القدرة على حماية المدنيين، وتهيئة الظروف لحوار وطني يشارك فيه الجميع دون إقصاء.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات، بل إلى قرارات تعيد الأمل للناس. فكل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيداً من الخسائر الإنسانية والاقتصادية، ومزيداً من التحديات أمام أي عملية لإعادة بناء الدولة.
ولعل الرسالة التي تتردد في الشارع السوداني، باختلاف توجهاته، يمكن تلخيصها في مطلب واحد: كفى حرباً. كفى نزوحاً. كفى تهجيراً. كفى دماراً. فالمواطن الذي أنهكته سنوات الصراع يريد مستقبلاً مختلفاً، لا مزيداً من الدوران في الحلقة نفسها.
إذا كان الحديث عن “التراضي الوطني” صادقاً، فإن الطريق إليه يبدأ بإعطاء الأولوية للسلام، وفتح المجال أمام عملية سياسية شاملة، وإتاحة الفرصة للسودانيين ليقرروا مستقبلهم عبر وسائل سلمية ومؤسسات شرعية، بعيداً عن منطق الحرب.
أما إذا بقيت لغة السلاح هي التي تحدد إيقاع السياسة، فإن الحديث عن التوافق سيظل شعاراً يصطدم بواقع يومي عنوانه الخوف والنزوح والانهيار. والسودانيون، بعد كل ما عاشوه، يستحقون أكثر من الوعود؛ يستحقون نهاية حقيقية لهذه المأساة، وبداية مرحلة يكون فيها الوطن ملكاً لجميع أبنائه، لا رهينة لاستمرار الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.