إذا أردتم دولةً محترمة… فابدؤوا بالمدرسة

حسن عبد الرضي

يتداول السودانيون هذه الأيام قصةً لافتة عن مهندسٍ جزائري زار السويد، فتوقف أمام ممرٍّ مجاني في إحدى محطات المترو، خُصِّص لمن لا يملك ثمن التذكرة. أثار المشهد دهشته؛ فلا حارس يراقب، ولا كاميرات تتعقب، ولا بوابات تمنع المتحايلين. سأل موظفة التذاكر مستغربًا: وماذا لو كان الشخص يملك المال، لكنه اختار المرور مجانًا؟
حدقت فيه بدهشة، ثم أجابت بسؤالٍ بدا وكأنه يلخّص فلسفة مجتمعٍ بأكمله: “ولماذا يفعل ذلك؟!” قد يختلف الناس حول دقة هذه الرواية، وقد لا تثبت تفاصيلها تاريخيًا، غير أن قيمتها لا تكمن في حرفيتها، وإنما في السؤال العميق الذي تطرحه: كيف تبلغ أمةٌ من الرقي ما يجعل الصدق سلوكًا فطريًا، والأمانة عادةً راسخة، واحترام القانون جزءًا من الضمير لا رهبةً من العقاب؟ ليس الجواب معجزة، ولا سرًا مستعصيًا على الفهم. إنه التعليم.
ليس التعليم الذي يملأ الرؤوس بالمعلومات ثم يترك القلوب خاوية، وإنما التعليم الذي يصنع الإنسان قبل أن يصنع الموظف، ويهذب الضمير قبل أن يكدّس المعارف، ويغرس قيمة الأمانة قبل أن يشرح نصوص القانون، ويُنشئ مواطنًا يفعل الصواب لأنه يؤمن به، لا لأنه يخشى العقوبة.
فالدول العظيمة لا تُشيَّد أولًا بالإسمنت والحديد، ولا تُقام بالشعارات والخطب الحماسية، وإنما تبدأ ببناء الإنسان. والإنسان لا تصنعه إلا مدرسةٌ حية، ومعلمٌ كريم، ومنهجٌ يربي كما يعلّم، ويغرس القيم كما يغرس المعرفة.
ومن هنا، فإن كل حديث عن إعادة بناء السودان، وكل نقاش حول الدستور، أو الحكومة، أو شكل الدولة المقبلة، سيظل حديثًا منقوصًا إذا لم يكن التعليم في مقدمة المشروع الوطني.
فأيُّ وطنٍ نريد؟ أوَ نريد دولةً تضع شرطيًا عند كل باب، وكاميرا فوق كل شارع، ومفتشًا في كل مؤسسة؛ لأنها لا تثق في مواطنيها؟ أم نريد دولةً يكون فيها الضمير هو الحارس، والقيم هي الرقيب، والنزاهة ثقافةً عامة لا استثناءً نادرًا؟
إن الفارق الحقيقي بين الأمم لا تصنعه الثروات وحدها، ولا الموارد الطبيعية، وإنما يصنعه الإنسان الذي كوَّنه التعليم. ولذلك فإن الأمم التي ننظر إليها اليوم بإعجاب لم تبلغ ما بلغته لأنها كانت أغنى منا منذ البداية، وإنما لأنها فهمت، مبكرًا، أن الثروة الحقيقية ليست في النفط ولا الذهب، بل في الطفل الجالس على مقعد الدراسة، وفي المعلم الواقف أمام السبورة، وهو يصوغ مستقبل أمةٍ بأكملها.
وليس من الحكمة أن نردَّ رقيَّ الشعوب إلى التدين وحده، أو إلى الوفرة الاقتصادية وحدها؛ فالأخلاق العامة ليست هبةً تُولد مع الناس، وإنما بناءٌ طويل تشيده التربية، ويصقله التعليم، وتثبته الممارسة اليومية، حتى يصبح احترام النظام، وصيانة المال العام، والصدق في المعاملة، سلوكًا تلقائيًا لا يحتاج إلى واعظ، ولا إلى رقيب.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة إعمار الطرق والجسور والمباني فحسب، بل يحتاج، قبل كل شيء، إلى إعادة إعمار الإنسان.
نحتاج إلى مدارس تُخرِّج مواطنًا لا يسرق المال العام إذا غاب الرقيب، ولا يغش إذا سنحت له الفرصة، ولا يخون الأمانة إذا أمن العقوبة.
ونحتاج إلى معلمٍ يعيش بعزةٍ وكرامة؛ لأن الأمة التي تُهين معلمها إنما تُعلن، من حيث لا تشعر، احتقارها لمستقبلها. ونحتاج إلى مناهج تُنشئ جيلًا يؤمن بأن الوطن مسؤولية، وأن القانون قيمة، وأن النزاهة أسلوب حياة.
إن كل جنيهٍ يُنفق على التعليم هو استثمارٌ في الأمن، وفي الاقتصاد، وفي العدالة، وفي السلم الاجتماعي. وكل جنيهٍ يُنتزع من ميزانية التعليم ستدفع الأمة أضعافه لاحقًا في مواجهة الفساد، والجريمة، والبطالة، والانهيار الأخلاقي.
ولهذا فإن الذين يفسرون نجاح الأمم برخائها الاقتصادي وحده يعكسون الحقيقة. فالرخاء لم يصنع التعليم، وإنما التعليم هو الذي صنع الرخاء. والاقتصاد القوي لم يصنع الإنسان الصالح، وإنما الإنسان الذي صنعه التعليم الجيد هو الذي شيَّد الاقتصاد، وأقام دولة القانون، ورسَّخ احترام المؤسسات حتى غدا جزءًا من الثقافة العامة، لا أثرًا للخوف من العقوبة.
أما نحن في السودان، فما أكثر ما نتحدث عن دولة القانون، ودولة المؤسسات، والدولة التي تُحترم في الداخل والخارج. غير أن هذه الدولة لن تولد من رحم الخطب الرنانة، ولا من ضجيج المنابر، ولا من تبديل الحكومات وحده. لن تقوم دولةٌ محترمة فوق أنقاض تعليمٍ منهار. ولن تنهض أمةٌ تُهمل معلميها، وتترك مدارسها للفقر والإهمال، ثم تنتظر أن يخرج منها جيلٌ يحمل مشروع النهضة.
إن الأمة التي تبخل على التعليم إنما تبخل على مستقبلها، والأمة التي تُهين معلمها إنما تُسقط بيديها أحد أعمدة بقائها. فإذا أردنا سودانًا جديدًا، فلنبدأ من حيث بدأت كل الأمم التي سبقتنا إلى النهضة: من المدرسة، ومن المعلم، ومن المنهج، ومن التربية قبل الامتحان، ومن بناء الضمير قبل ملء الذاكرة.
ولهذا، إذا سمعتم من يسأل: كيف نبني دولةً محترمة؟ فلا تفتشوا عن الجواب في قصور السياسة، ولا في صخب المنابر، ولا في ضجيج الشعارات. اذهبوا إلى المدرسة. هناك تُولد الأمم قبل أن تُولد الحكومات. هناك تُصنع العقول قبل أن تُصاغ الدساتير. هناك يُربَّى الضمير قبل أن تُسنَّ القوانين. وهناك، وهناك وحدها، يبدأ الطريق إلى وطنٍ يحترم نفسه، فيحترمه العالم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.