سراب السلام ومعادلات الاستنزاف في عام الحرب الرابع

محمد صالح محمد

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع ونحن في شهر يوليو 2026، يجد المشهد السياسي والعسكري نفسه حبيس دائرة مفرغة من “اللا حسم” و”اللا سلام”. فبينما تتوالى المبادرات الدولية، وعلى رأسها المقترحات الأمريكية الأخيرة لهدنة إنسانية ممتدة، يظل الواقع الميداني عصياً على التغيير، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة فرص السلام في ظل تضارب الأجندات وتفكك مفاصل الدولة.
حرب بلا منتصر:
تشير المعطيات الميدانية والتحليلات السياسية إلى أن الصراع قد استقر عند نقطة “الاستنزاف المتبادل”. لا القوات المسلحة السودانية قادرة على الحسم العسكري الكامل، ولا قوات الدعم السريع تملك القدرة على فرض واقع جديد بصفة نهائية. هذا التوازن الهش في القوة خلق حالة من “الجمود الاستراتيجي” حيث تحولت المدن إلى ساحات للمسيرات والقصف المتبادل، مما عمّق المأساة الإنسانية لأكثر من 13 مليون نازح وما يزيد عن 30 مليون محتاج للمساعدات.
إن إصرار الجيش السوداني على انسحاب قوات الدعم السريع من المدن كشرط مسبق لأي تفاوض جدي يمثل جوهر العقدة السياسية. فبالنسبة للجيش يمثل هذا الانسحاب استعادة للسيادة، بينما يراه الطرف الآخر تقويضاً لموقفه التفاوضي وتنازلاً عن مكتسبات ميدانية تم تحقيقها على الأرض.
ارتهان السلام للتنافس الإقليمي:
لا يمكن عزل الأزمة السودانية عن سياقها الإقليمي والدولي المتأزم. فالسودان تحول إلى مسرح لتصفية حسابات وتقاطعات مصالح دولية وإقليمية؛ حيث يظل الدعم الخارجي للأطراف المتنازعة عاملاً رئيساً في إطالة أمد النزاع. التباين في المواقف بين القوى الدولية—حيث يبرز القلق من النفوذ الروسي والصيني في مقابل الضغوط الأمريكية—يجعل من أي اتفاق سلام شامل رهينة لتوافقات دولية لم تنضج بعد.
أضف إلى ذلك تراجع تأثير المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، مما ترك الساحة مفتوحة أمام استقطابات حادة تعمق الانقسام الوطني وتعرقل قيام أي سلطة مدنية موحدة.
إرادة الشارع وتحدي “اللا ثقة”
في المقابل تشير الدراسات الاستقصائية الحديثة إلى فجوة واسعة بين طموح الشعب وواقع النخبة المسلحة. فأكثر من 90% من السودانيين ينشدون السلام، لكن الثقة في جدوى الاتفاقيات السياسية قد تبخرت بفعل التجارب السابقة. المواطن السوداني اليوم لا يبحث عن مجرد “وقف إطلاق نار” هش، بل يطالب بـ:
المحاسبة: رفض سياسة الإفلات من العقاب عن الانتهاكات الجسيمة.
إصلاح القطاع الأمني: جيش واحد مهني، بعيد عن التجاذبات السياسية.
الجذور: معالجة الأسباب العميقة للنزاع من قضايا الهوية إلى توزيع الموارد والسلطة.
السيناريوهات المستقبلية: بين التفتت والتسوية الهشة
بناءً على التطورات الحالية، تظل فرص السلام رهينة لثلاثة مسارات محتملة:
سيناريو الاستنزاف الطويل: وهو الأكثر ترجيحاً حيث يستمر الصراع على وتيرة منخفضة الحدة عسكرياً مع تحول السودان تدريجياً إلى “دولة رخوة” تعاني من تفكك بنيوي، مما يهدد الاستقرار الإقليمي برمته.
التسوية القسرية: وتتطلب ضغطاً دولياً غير مسبوق يفرض تنازلات جوهرية على الطرفين، وهو مسار يواجه صعوبات في ظل غياب “الضامن” الموثوق وتضارب المصالح الإقليمية.
الحسم الميداني المفاجئ: وهو خيار يظل مستبعداً في ظل تعادل القوى التقني (استخدام الطيران المسير)، ولكنه يظل التهديد الدائم الذي يخشاه الجميع لتداعياته الكارثية على وحدة البلاد.
إن السلام في السودان ليس مجرد “وثيقة توقيع” في عواصم الجوار، بل هو عملية “إعادة بناء” لثقة مفقودة. الفرص الراهنة قد تكون ضعيفة، لكنها ليست مستحيلة إذا ما تحول الضغط الدولي من “إدارة الأزمة” إلى “فرض الحلول الجذرية” التي تبدأ بالالتزام بوقف الاعتداءات على المدنيين وتنتهي بتسليم السلطة لمدنيين يقودون عملية انتقالية شاملة. السودان لا يحتاج اليوم إلى مسكنات سياسية، بل إلى جراحة عاجلة تعيد ترميم مؤسساته وتنهي حقبة “سلطة البندقية”.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.