من وثيقة إلى مشروع سلطة.. (البرهان) العودة من البوابة الخلفية..

سيف الدولة كمال

تحركات سرية تتم إدارتها من دول مجاورة، تسعى لأعادة ترتيب المشهد في السودان، لكن في خضم الحرب التي مزقت السودان وأعادت تشكيل موازين القوى، لم يعد الصراع يدور حول خطوط التماس العسكرية وحدها، بل انتقل إلى سؤال أكثر حساسية: من سيرث السلطة عندما تضع الحرب أوزارها؟ هذا السؤال هو مفتاح فهم كثير من التحركات السياسية التي تشهدها البلاد، والتي يجب ان ننظر إليها باعتبارها جزءاً من عملية أوسع لإعادة هندسة الدولة ومؤسسات الحكم، ومحاولة استغفال البرهان للقوى السياسية وجماهير الشعب السوداني.

الدعوات الأخيرة التي طالبت بتفويض البرهان وإعادة النظر في تركيبة مجلس السيادة أثارت نقاشاً واسعاً حول طبيعة المرحلة المقبلة. يقدمها البعض باعتبارها استجابة لظروف استثنائية تتطلب وحدة القرار، في القوت الذي تمثل فيه مرحلة جديدة من الانتقال من صيغة السلطة الانتقالية متعددة الأطراف إلى نموذج أكثر دكتاتورية وتسلطا، تصبح فيه المؤسسة العسكرية بقيادة البرهان صاحبة القرار الأول والأخير.

تكمن أهمية هذه التطورات في أنها لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما ترتبط بطبيعة النظام السياسي الذي قد يتشكل بعد الحرب. فالمشهد السوداني اليوم يختلف جذرياً عما كان عليه عند اندلاع القتال؛ إذ أفرزت الحرب مراكز نفوذ جديدة داخل المعسكر المؤيد للجيش، تشمل حركات مسلحة، وقوى قبلية، وشخصيات سياسية وأمنية، لكل منها حساباته ومصالحه. وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين أن إعادة هيكلة مؤسسات الحكم قد تكون محاولة لإعادة ضبط هذه التوازنات تحت قيادة أكثر تماسكاً.

وتشير قراءات سياسية إلى أن مرحلة ما بعد الحرب ربما تمثل التحدي الأكبر أمام القيادة العسكرية، إذ لن يكون الصراع حينها حول السيطرة على الأرض، وإنما حول السيطرة على مؤسسات الدولة وصياغة الشرعية السياسية الجديدة. ومن هذا المنطلق، يعتقد بعض المراقبين أن تعزيز مركز القرار قد يمنح القيادة العسكرية موقعاً تفاوضياً أقوى في أي تسوية داخلية أو تفاهمات إقليمية ودولية. هذا المسار لن يكون خالياً من التحديات. فالقوى المدنية، والحركات المسلحة، وحتى بعض الحلفاء داخل معسكر السلطة، قد تنظر إلى أي تركيز للسلطة باعتباره تقليصاً لدورها السياسي، وهو ما قد يفتح الباب أمام خلافات جديدة في مرحلة يفترض أن تتجه نحو الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وإذا كان السودان سيشهد إعادة ترتيب للسلطة، فهذا أمر يبدو مرجحاً في ظل التحولات الجارية، وإنما كيف ستتم هذه العملية، ومن ستكون له الكلمة العليا في رسم ملامح الدولة الجديدة. وهل سيتم اقصاء القوى السياسية والمدنية والحركات المسلحة التي ساندت الاسلاميين في حربهم،  وإنتاج أزمات جديدة بدلاً من إنهاء الأزمات القائمة.

الحرب أنهكت مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع، وجعلت ملايين السودانيين يتطلعون إلى نهاية للصراع أكثر من اهتمامهم بشكل السلطة نفسها. ولهذا، فإن أي مشروع سياسي لن تُقاس فرص نجاحه فقط بقدرته على إحكام السيطرة، وإنما بقدرته على استعادة الثقة، وإعادة بناء المؤسسات، وفتح الطريق أمام سلام مستدام يشارك في صياغته السودانيون بمختلف أطيافهم.

ما يسعى له البرهان يجب أن تتصدى له القوى السياسية والمدنية، فإما أن تتحول ترتيبات ما بعد الحرب إلى فرصة لبناء دولة أكثر استقراراً وشمولاً، أو أن تصبح بداية لمرحلة جديدة من الصراع حول السلطة والشرعية. وبين هذين الاحتمالين، تتحدد ملامح المستقبل السياسي لبلد أنهكته الحرب وما زال يبحث عن طريق للخروج من أزمته الممتدة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.