ثمة تساؤلات جادة في الأوساط السياسية السودانية خلال هذه الأيام حول ما إذا كان قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة في بورتسودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يتجه، بدعم من حلفائه الإقليميين، ممثلين في المملكة العربية السعودية ومصر، نحو إعادة هندسة السلطة بصورة تمنحه موقعاً أكثر مركزية، حتى وإن جاء ذلك على حساب شركائه في الحرب من الإسلاميين وكتائبهم والقوات المشتركة التي تمثل اتفاق جوبا للسلام، والذين ظلوا يمثلون أحد أهم مرتكزات المعسكر المؤيد للجيش منذ اشتعال الصراع في 15 أبريل 2023، عبر كتائب الحركة الإسلامية التي تتحكم في مصير الجيش منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وتتقاطع هذه التساؤلات السياسية الجادة مع معطيات تناولتها تقارير صحفية سابقة نشرتها «عين الحقيقة»، استناداً إلى مصادر مطلعة وتسريبات صحفية، بشأن التحركات الرامية إلى إعادة ترتيب هياكل السلطة في بورتسودان، والدعوات التي برزت خلال الفترة الأخيرة لتوسيع صلاحيات رئيس مجلس السيادة.
إلى ذلك، قال محلل سياسي فضّل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» إن التحركات السياسية الأخيرة، وما صاحبها من دعوات إلى إعادة ترتيب هياكل الحكم، تفتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن مستقبل العلاقة بين البرهان وحلفائه، وعلى رأسهم القوات المشتركة، والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، وكتائب الحركة الإسلامية، والقوى السياسية المتحالفة مع بورتسودان.
ويضيف أن السؤال الأكثر أهمية في المرحلة الراهنة يتمثل في: هل يستطيع البرهان القفز على مصالح حلفائه في محاور القتال والانفراد بالحكم، أم أن طبيعة التحالفات العسكرية والسياسية التي تشكلت خلال الحرب تجعل مثل هذا السيناريو محفوفاً بالمخاطر؟
ويرى المحلل أن البرهان قد يكون مقتنعاً بأن تعدد مراكز النفوذ داخل معسكره أصبح يمثل عائقاً أمام بناء سلطة تنفيذية أكثر تماسكاً، وأن المرحلة المقبلة تتطلب تركيز القرارين السياسي والعسكري في يد قيادة واحدة، بما يسمح بإدارة الدولة وفق رؤية أكثر مركزية.
غير أن المحلل يتساءل عن الأسباب التي قد تدفع البرهان إلى التفكير في الانفراد بالسلطة، في وقت لا تزال فيه البلاد تعاني من حرب مستمرة، وانهيار اقتصادي غير مسبوق، وتراجع كبير في مؤسسات الدولة، فضلاً عن استمرار خروج أجزاء واسعة من دارفور وكردفان عن سيطرة الحكومة في بورتسودان، وهو ما يجعل أولويات المرحلة، بحسب تقديره، أكثر ارتباطاً بإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار من إعادة ترتيب هياكل السلطة.
ويذهب المحلل إلى أن أي محاولة لإعادة توزيع النفوذ داخل معسكر بورتسودان قد تعيد رسم التوازنات التي قامت عليها الشراكة العسكرية خلال الحرب، خاصة مع الحركات المسلحة التي وقعت على اتفاق جوبا، والتي أصبحت جزءاً من المعادلة العسكرية والسياسية.
وبحسب قراءته، فإن تجاوز مصالح شركاء الحرب قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر داخل المعسكر المؤيد للجيش، وربما ينعكس على طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية وحلفائها الذين أسهموا في إدارة العمليات العسكرية والسياسية منذ اندلاع النزاع.
كما يرى أن تركيز السلطة في يد قيادة واحدة، مع تراجع المشاركة السياسية لبقية الحلفاء، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام داخل معسكر بورتسودان، أو يكرّس واقعاً سياسياً جديداً يزيد من تعقيد فرص الحفاظ على وحدة الدولة، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام العسكري والجغرافي.
ويشير المحلل إلى ضعف موازين القوى السياسية في معسكر بورتسودان، الذي يضم طيفاً سياسياً متشظياً من القوى السياسية والعسكرية، تجمعها المصالح والمخاوف السياسية الضيقة، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية، والحركات المسلحة، والكتلة الديمقراطية، إلى جانب قوى سياسية أخرى بقيادة التجاني سيسي وبحر أبو قردة، فضلاً عن شخصيات محسوبة على النظام السابق «المؤتمر الوطني».
ويعتقد أن القوى المدنية المعارضة للبرهان، بما فيها «تأسيس» و«صمود»، إضافة إلى قطاعات من المجتمع المدني السوداني في الخارج، لم تواجه تحديات كبيرة في بناء تحالف سياسي قادر على مواجهة نفوذ معسكر بورتسودان، باعتبار أن الخارطة الدولية والإقليمية تتشكل لصالحها، لا سيما عقب الحرب الأمريكية الإسرائيلية في مواجهة تمدد إيران في المنطقة، الأمر الذي يشير، بحسب هذا الرأي، إلى أن الحركة الإسلامية السودانية المتحالفة مع الجيش تمثل إحدى الأذرع الإيرانية على البحر الأحمر، وهو ما يتعارض مع المصالح السعودية والمصرية، رغم إصرارهما على دعم الجيش السوداني.
وعلى المستوى الإقليمي، يرى المحلل أن البرهان يتحرك وسط شبكة معقدة من المصالح والتحالفات، حيث تتابع عدة دول تطورات المشهد السوداني انطلاقاً من اعتبارات تتعلق بأمن البحر الأحمر، ومياه النيل، والذهب، التي تشكل أهم موازين القوى الاقتصادية في المنطقة.
ويضيف أن هناك قراءات متباينة بشأن طبيعة أدوار بعض الدول الإقليمية، من بينها المملكة العربية السعودية، وقطر، ومصر، وتركيا، وإريتريا، في الملف السوداني، وما إذا كانت هذه الأدوار تسهم في تعزيز نفوذ الجيش خلال المرحلة الحالية، أو تؤثر في شكل الترتيبات السياسية والعسكرية المقبلة.
كما يرى أن المملكة العربية السعودية تبذل جهوداً كبيرة لدعم استقرار مؤسسات حكومة بورتسودان، التي تعمل على إعادة الحركة الإسلامية وجنرالاتها في الجيش إلى السلطة مرة أخرى، مع الحفاظ على نفوذ الجيش بقيادة البرهان، بينما تعتقد بعض القوى المدنية أن مستقبل المؤسسة العسكرية سيظل محل جدل واسع، مع استمرار طرح رؤى تدعو إلى إعادة بنائها وإصلاحها، وهيكلة جيش سوداني بعقيدة قتالية تزيح نفوذ الحركة الإسلامية التي استقرت داخل الجيش لأكثر من ثلاثة عقود.
ويخلص المحلل إلى أن الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه السلطة في السودان، وما إذا كانت البلاد ستتجه نحو صيغة حكم أكثر مركزية بقيادة البرهان، أو نحو ترتيبات سياسية تحافظ على وحدة البلاد، بسبب إصرار مصر والسعودية على تمكين البرهان عبر سلطة مركزية مستبدة تتحكم فيها المؤسسة العسكرية.
وفي ضوء ما سبق، فإن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس استمرار الحرب وحدها، بل احتمال توظيفها لإعادة إنتاج سلطة عسكرية أكثر انفراداً واستبداداً.. فإذا مضى البرهان في تركيز القرارين السياسي والعسكري في يده، على حساب حلفائه ومؤسسات الدولة، فإن ذلك لن يعني سوى استبدال تعدد مراكز النفوذ بحاكم عسكري واحد، وإغلاق ما تبقى من أفق الانتقال السياسي.
فالتاريخ السوداني يثبت أن احتكار السلطة لم يصنع استقراراً، بل قاد إلى مزيد من الانقسامات والصراعات، فيما يبقى الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر في معركة تتسع فيها شهية السلطة، وتتراجع فيها فرص السلام والدولة المدنية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.