أعادت الدعوة التي أطلقها الناظر محمد الأمين ترك، وسط حشد جماهيري في شرق السودان خلال الأيام الماضية، بشأن حل مجلس السيادة الانتقالي في بورتسودان وتفويض رئيسه والقائد العام للجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لإدارة المرحلة المقبلة، فتح باب النقاش حول مستقبل السلطة في البلاد، في ظل استمرار الحرب وتعثر مسار الانتقال السياسي، وما يراه مراقبون محاولة من قائد الجيش لاستثمار ظروف الحرب لترسيخ نفوذه عبر سلطة عسكرية ينفرد بقيادتها خلال السنوات المقبلة.
وجاءت هذه الدعوات بالتزامن مع تداول الأوساط الصحفية والإعلامية وثيقةً مسرّبة من داخل مكتب رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، أثارت اهتمامًا واسعًا.
إلا أن ثمة مراقبين يرون أن هذه التطورات تتقاطع مع مؤشرات سياسية متزايدة توحي بإمكانية إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، بما يمنح الفريق البرهان، بوصفه قائد الجيش، صلاحيات أوسع لإدارة الدولة خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي د. عبد الكريم ود الضي لـ«عين الحقيقة» إن الدعوة إلى تفويض البرهان لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مبادرة سياسية معزولة، وإنما بوصفها جزءاً من مناخ سياسي يهدف إلى اختبار مدى قبول الرأي العام والقوى المتحالفة مع الجيش لفكرة الانتقال من صيغة القيادة الجماعية التي يمثلها مجلس السيادة في بورتسودان إلى قيادة أكثر مركزية تتمحور حول المؤسسة العسكرية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
ويرى المحلل أن حل مجلس السيادة، في حال المضي بهذا الاتجاه، سيعني عملياً إنهاء إحدى أهم المؤسسات التي تدير ترتيبات السلطة التنفيذية وتوزيع النفوذ داخل بورتسودان، مع تركيز مركز اتخاذ القرار في يد القيادة العسكرية، في ظل غياب برلمان منتخب أو مؤسسات رقابية فاعلة، وهو ما يمنح السلطة التنفيذية مساحة أوسع لإدارة ملفات الحرب والتفاوض والعلاقات الخارجية وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة.
وبحسب القراءة ذاتها، فإن تحرك الناظر محمد الأمين ترك يؤدي عدة وظائف سياسية في توقيت بالغ الحساسية؛ فهو يوفر غطاءً مجتمعياً لفكرة التفويض، ويختبر ردود فعل الشارع والقوى السياسية والحلفاء، كما يقدم أي خطوة مستقبلية باعتبارها استجابة لمطلب داخلي، وليس مبادرة أحادية تصدر عن القيادة العسكرية.
كما يضيف المحلل السياسي أن البرهان يسعى إلى إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل المعسكر الداعم للجيش، خاصة بعد اتساع دائرة القوى المؤثرة في القرار السياسي والعسكري منذ اندلاع الحرب، بما في ذلك الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، والقوات المشتركة، وبعض القوى السياسية، والإدارات الأهلية، والقيادات الأمنية الداعمة للحركة الإسلامية.
وبحسب المحلل، فإن البرهان قد ينظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة لتثبيت السلطة أكثر من كونها مرحلة لإدارة الحرب فقط، إذ إن شكل النظام السياسي الذي سيلي انتهاء النزاع قد يكون أكثر حساسية من المعركة العسكرية نفسها.
ويرى أن السيطرة على مؤسسات الحكم قبل الدخول في أي تسوية سياسية قد تمنح قائد الجيش والقيادة العسكرية موقعاً تفاوضياً أقوى في مواجهة خصومها وشركائها على حد سواء.
ويضيف أن التحركات الأخيرة للبرهان، بما في ذلك تكثيف ظهوره في المناسبات العامة، وزياراته الميدانية، وخطاباته المباشرة للمواطنين في شوارع الخرطوم وأم درمان وبورتسودان ومدن الولاية الشمالية ومناطق التعدين في أقصى شمال وشرق البلاد، تُقرأ لدى الإعلاميين والسياسيين باعتبارها محاولة لتعزيز حضوره بوصفه رمزاً للدولة خلال فترة الحرب، وكسب شرعية شعبية موازية للشرعية الدستورية أو الانتخابية، في وقت لا تزال فيه مؤسسات الدولة الانتقالية تواجه تحديات كبيرة.

وفي المقابل، يحذر مراقبون من أن أي انتقال نحو سلطة أكثر مركزية قد يثير مخاوف لدى الحلفاء أنفسهم، فالحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا تستمد جانباً من نفوذها السياسي من مشاركتها في مؤسسات الحكم، وأي إعادة هيكلة قد تُفسَّر باعتبارها تقليصاً لدورها بعد سنوات من الشراكة العسكرية والسياسية مع الجيش.
كما يرى محللون أن البرهان يواجه تحدياً آخر يتمثل في إدارة علاقته بالحركة الإسلامية. فبحسب تقديراتهم، استفادت قيادة الجيش خلال الحرب من دعم قوى وشخصيات محسوبة على الإسلاميين في مجالات التعبئة والإسناد الإعلامي والسياسي، ولا سيما الإعلام الرقمي، إلا أن استمرار هذا التقارب أثار تحفظات لدى أطراف إقليمية ودولية مؤثرة ترى أن استمرار التحالف بين البرهان والإخوان المسلمين قد يقود المرحلة المقبلة نحو سلطة أكثر مركزية وأقل انفتاحاً سياسياً. وفي المقابل، يرى مراقبون أن أي محاولة لتقليص نفوذ هذه القوى قد تفتح باباً لخلافات داخل المعسكر المؤيد للجيش في بورتسودان.
وعلى المستوى الإقليمي، يرى مراقبون أن أي إعادة تشكيل للسلطة ستخضع لحسابات ترتبط بأمن البحر الأحمر واستقرار السودان ووحدة مؤسساته، وهي ملفات تحظى باهتمام مباشر من عدد من الدول في المنطقة، في مقدمتها المملكة العربية السعودية. وفي الوقت نفسه، قد تفضل كل من مصر والمملكة العربية السعودية وجود قائد الجيش شريكاً سياسياً واضحاً يمكن التعامل معه، مع مراقبة مدى قدرة أي صيغة جديدة على تحقيق الاستقرار وعدم توسيع دائرة الصراع في المشهد السوداني.
أما دولياً، فإن أي تعديل جوهري في هيكل السلطة قد يواجه تدقيقاً من المجتمع الدولي، خصوصاً إذا اعتُبر ابتعاداً عن مسار الانتقال السياسي أو تقليصاً لمشاركة القوى المدنية، وهو ما قد يؤثر على فرص الانخراط الدولي، واستقطاب الدعم الاقتصادي والإنساني، وإحياء مسارات التسوية السياسية التي ترعاها أطراف إقليمية ودولية.
ويرى المحلل أنه، في ضوء التحركات الأخيرة للبرهان، فإن الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه السلطة في بورتسودان، سواء بالإبقاء على مجلس السيادة مع تعديلات محدودة، أو إعادة تشكيله في إطار جديد يلبي تطلعات حلفاء قائد الجيش، أو منح رئيس مجلس السيادة صلاحيات تنفيذية أوسع ضمن ترتيبات انتقالية مختلفة، مؤكداً أن طبيعة التوازنات العسكرية والسياسية ستظل العامل الحاسم في تحديد أي من هذه السيناريوهات.
ويخلص التقرير إلى أن الجدل الدائر حالياً يتجاوز مسألة بقاء مجلس السيادة أو حله، ليطرح سؤالاً أوسع حول شكل الدولة السودانية بعد الحرب، وطبيعة النظام السياسي الذي سيقود المرحلة المقبلة.
وبينما يرى مؤيدو مركزية القرار أنها قد تساعد على إدارة مرحلة استثنائية تفرضها ظروف الحرب، تحذر قوى ومراقبون من أن أي إعادة صياغة للسلطة من دون توافق سياسي واسع قد تعمق الانقسام الداخلي، وتزيد من تعقيد جهود إنهاء الحرب، وتؤجل الوصول إلى تسوية مستقرة تحظى بقبول داخلي ودعم إقليمي ودولي.
وفي ضوء ما سبق، فإن المعركة في بورتسودان لم تعد تقتصر على ساحات القتال، بل امتدت إلى معركة إعادة تشكيل الدولة نفسها. فكل خطوة تُتخذ اليوم لإعادة توزيع السلطة ستحدد شكل النظام السياسي لسنوات مقبلة. وإذا مضت البلاد نحو تركيز السلطة في يد قائد الجيش بوصفه صاحب القرار الأوحد، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي الحاد، ويضع مستقبل الانتقال والاستقرار أمام اختبار بالغ الصعوبة.
وفي ظل غياب توافق وطني ومؤسسات رقابية فاعلة، يبقى السؤال المطروح: هل يقود هذا المسار إلى إنهاء الأزمة، أم إلى إعادة إنتاجها في صورة مختلفة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.