البرهان… حين تصبح الحرب سلماً لاحتكار السلطة

بقلم منها أبو قصيص

مع استمرار الحرب وتعثر أي أفق لتسوية سياسية شاملة، تبدو معركة السلطة أكثر حضوراً في بورتسودان من معركة الميدان، ومن العمل من أجل السلام لتخفيف معاناة الشعب السوداني، الذي أصبح مشرَّداً بين لاجئ ونازح، بينما تتقدم أسئلة ما بعد الحرب على حساب أسئلة الحرب نفسها.

بالتالي، لا يمكن النظر إلى دعوة الناظر محمد الأمين ترك، عضو الحركة الإسلامية ورجل الإدارة الأهلية المعروف، لتفويض رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بمعزل عن التحولات السياسية التي تشهدها البلاد. فالدعوة، سواء كانت مبادرة مستقلة أو جزءاً من حراك سياسي أوسع، أعادت إلى الواجهة نقاشاً ظل يتصاعد بهدوء داخل معسكر السلطة حول شكل الدولة بعد انتهاء الحرب، وحول الجهة التي ستحتكر القرار السياسي في المرحلة المقبلة.

وخلال السنوات الماضية، برزت داخل المعسكر المؤيد للجيش مراكز نفوذ متعددة؛ من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا «القوات المشتركة»، إلى جانب كتائب الحركة الإسلامية المسلحة. وفوق كل ذلك، لم يعد السؤال الحقيقي الذي يدور بين الأطراف: من سينتصر عسكرياً؟ بل: من سيتحكم في السلطة والثروة والقرار في بورتسودان؟

ولذلك، يسعى مؤيدو مركزية القرار بيد الفريق البرهان إلى تبرير أن المرحلة الاستثنائية تفرض قيادة تنفيذية قوية قادرة على اتخاذ قرارات سريعة في الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية. لكن التجربة السودانية، شأنها شأن تجارب كثيرة في المنطقة، تُظهر أن تركيز السلطة قد يحقق سرعة في اتخاذ القرار، لكنه لا يضمن بالضرورة استقراراً سياسياً مستداماً إذا غابت المؤسسات القادرة على الرقابة والمساءلة وإدارة التوازنات.

وفي تقديري، فإن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط استمرار الحرب، وإنما احتمال أن تتحول ظروف الحرب إلى مبرر دائم لإعادة صياغة الدولة على أساس مركزية السلطة، على يد حكومة عسكرية بقيادة «البرهان». فكلما تقلصت المؤسسات الجماعية، التي يتمثل أبرزها مجلس السيادة بشكله الحالي في بورتسودان، واتسعت صلاحيات السلطة التنفيذية، أصبحت عملية الانتقال أكثر تعقيداً، وازدادت مخاوف القوى السياسية والاجتماعية من الإقصاء.

ولا تبدو الحسابات الإقليمية بعيدة عن هذه الصورة. فالسودان يشكل أحد أهم مفاتيح الأمن في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهو ما يجعل تطورات المشهد السوداني محل اهتمام مباشر من عدد من العواصم الإقليمية. وتنظر مصر إلى استقرار قيادة الجيش وانفرادها بالحكم بوصفه عنصراً مؤثراً في أمنها القومي، وضامناً لتحقيق مصالحها، بينما تركز المملكة العربية السعودية على دعم الجيش السوداني، الذي يحظى بدعم عسكري وسياسي من الحركة الإسلامية، رغم أنها تؤكد في المحافل الدولية رفضها لتعزيز نفوذ جماعة الإخوان المسلمين. وفي الأشهر الماضية، عملت المملكة العربية السعودية على استقطاب قيادات مدنية من تحالفي «صمود» و«تأسيس» للمساهمة في ترسيخ سلطة عسكرية يقودها البرهان وجنرالاته، عبر حاضنة مدنية هشة تصفق لحكومة عسكرية بدلاً من الدفع نحو حكم مدني ديمقراطي، متجاهلةً، في نظر كاتبة المقال، مصلحة الشعب السوداني.

وفي المقابل، تشير تقارير وتحليلات إلى تنامي أدوار إقليمية أخرى في المشهد السوداني، من بينها التعاون الدفاعي بين بورتسودان وتركيا، وعودة العلاقات العسكرية بين بورتسودان وإيران، إضافة إلى العلاقات التاريخية التي تربط قطر بالإخوان المسلمين.. إلا أن طبيعة هذه الأدوار وحدود تأثيرها تظل محل نقاش بين الباحثين والمراقبين، وتعكس، في مجملها، حجم التنافس الإقليمي بين الأطراف في دعم قيادة الجيش أكثر من النظر إلى معاناة الشعب السوداني أو تقديم العون الإنساني، كما هو الحال في الدعم الإنساني الكبير الذي قدمته دولة الإمارات العربية المتحدة بقيمة 80 مليون دولار لإنقاذ المدنيين والمتضررين من حرب 15 أبريل.

أما داخلياً، فإن العلاقة بين المؤسسة العسكرية وحلفائها تبدو أكثر تعقيداً مما تظهره البيانات السياسية. فالحركات المسلحة «المشتركة» ترى نفسها شريكاً في مستقبل السلطة، والإدارات الأهلية تتمسك بدورها الاجتماعي والسياسي، بينما تحتفظ الحركة الإسلامية بحضورها داخل المشهد العام. ومن ثم، فإن أي إعادة توزيع للسلطة ستنعكس بالضرورة على شكل العلاقة بين هذه القوى، وقد تفتح الباب أمام تنافس جديد داخل المعسكر نفسه.

ويبقى السؤال الأهم: هل يحتاج السودان إلى قيادة أكثر قوة، أم إلى مؤسسات أكثر قوة؟

في رأيي، لا تكمن الأزمة الأساسية في اسم من يقود السلطة، بل في طبيعة النظام الذي ستنتجه الحرب. فالدول لا تُقاس بقدرة الأفراد على إدارة الأزمات، وإنما بقدرة مؤسساتها على البقاء بعد رحيلهم. وإذا كان إنهاء الحرب يمثل أولوية وطنية لا خلاف عليها، فإن بناء نظام سياسي يقوم على التوازن، وسيادة القانون، وتعدد مراكز الرقابة، يظل الضمان الحقيقي لعدم إنتاج الأزمات ذاتها في المستقبل.

لقد علمتنا التجربة السودانية أن الحروب تنتهي في نهاية المطاف، لكن آثار الطريقة التي تُدار بها السلطة بعد الحرب قد تمتد لعقود. ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إيقاف القتال، بل في بناء دولة تتسع لجميع السودانيين، وتستمد شرعيتها من مؤسساتها وقواعدها الدستورية، لا من استثنائية اللحظة أو موازين القوة التي فرضتها الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.