في غمرة النزاع المسلح الذي يمزق أوصال السودان، تطل علينا بين الحين والآخر مبادرات سياسية تثير الكثير من الريبة. ليست مجرد مواقف عابرة، بل تبدو كأنها «هندسة سياسية» مدروسة، تهدف إلى نقل الصراع من ميادين القتال إلى أروقة الحكم في بورتسودان. وآخر هذه التحركات هو ما يُروَّج له تحت مسمى «تفويض البرهان»، والذي يُقدَّم للجمهور في ثوب «المطالبة الشعبية» لإنقاذ ما تبقى من الدولة. ولكن، هل هو فعلاً طوق نجاة، أم مسار نحو استبداد مطلق يُغلق أبواب أي حل سياسي مستقبلي؟
ما الذي يحدث خلف الكواليس؟
إن القراءة المتفحصة لدعوات «التفويض» تكشف بوضوح أننا لسنا أمام مبادرة لترتيب البيت الداخلي، بل أمام محاولة لاستبدال «الشرعية الانتقالية» بـ«شرعية الأمر الواقع». فالهدف الاستراتيجي هنا هو تحويل البرهان من رئيس لمجلس سيادي – يشاركه فيه شركاء نفوذ وكتل سياسية – إلى رئيس بصلاحيات مطلقة، لا شريك له في القرار، ولا رقيب عليه في التصرف.
إن هذا التحول يعني عملياً:
– إقصاء الشركاء: التخلص من التزامات اتفاقيات الشراكة، وتجميد أي طموحات سياسية للحلفاء الحاليين الذين بدأوا يشكلون مراكز قوى مقلقة للقيادة العسكرية.
– تحصين الذات: تأمين موقع رأس الدولة للبرهان كأمر واقع لا يمكن تجاوزه، مهما كانت مآلات الحرب أو التسويات الدولية القادمة.
– إدارة التفاوض: احتكار القرار السيادي بالكامل، بحيث لا يعود هناك «متعددون» في السلطة، بل عنوان واحد تضطر القوى الدولية والإقليمية إلى التعامل معه، حتى لو كان ذلك على حساب توافقات وطنية أوسع.
فخ «الغطاء القبلي» و«المطلب الشعبي»
يستخدم البرهان ودوائره «المبادرات القبلية» غطاءً لإضفاء طابع «شعبي» على تحركاته. وهذا التكتيك ليس جديداً، لكنه، في ظروف الحرب الراهنة، يهدف إلى إظهار أن الانفراد بالسلطة ليس انقلاباً، بل «استجابة لمطالب جماهيرية». وهنا يجب أن نسأل: أين هي الإرادة الشعبية الحقيقية في ظل نزوح الملايين وموت الآلاف؟ إن محاولة ربط مصير الدولة بمبادرة من هنا أو هناك هي اختزال مشين لتضحيات الشعب السوداني وتطلعاته نحو دولة مدنية ديمقراطية لا تحكمها «التفويضات»، بل تحكمها المؤسسات والقانون.
لماذا يجب أن نحذر من هذا المسار؟
إن السير في طريق «الحكم العسكري المطلق» يحمل مخاطر وجودية على السودان:
– عزلة دولية: إن المجتمع الدولي، الذي يراقب المشهد بوضوح، لن يتعامل مع «حاكم مطلق» خرج عن مسارات الانتقال التوافقي، مما يعني المزيد من العقوبات، والمزيد من العزلة التي سيدفع ثمنها المواطن البسيط، لا المسؤول في قصره.
– تفكك المعسكر الداعم: إن التفويض المطلق يعني «مركزة السلطة»، وهو ما سيخلق صراعات داخلية محمومة بين الحلفاء الذين سيسعون إلى الحفاظ على مكاسبهم. وستتحول بورتسودان من قاعدة لإدارة المعركة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية والأمنية.
– عسكرة القرار السياسي: إن دمج السلطة السياسية في السلطة العسكرية يجعل الجيش مسؤولاً عن كل الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يضر بالهيبة التاريخية للمؤسسة العسكرية، ويحولها من حامٍ للوطن إلى طرف في صراع سياسي داخلي.
الخاتمة: الوعي هو المخرج
إن التحدي اليوم ليس في «من يقود»، بل في «كيف تُدار الدولة». إن مبادرة التفويض ليست سوى محاولة لترميم سلطة تآكلت، عبر منحها صلاحيات واسعة دون أدوات للمحاسبة. ويجب على السودانيين، بمختلف توجهاتهم، أن يدركوا أن أي حل لا يبدأ من «الشرعية الانتخابية» أو «التوافق الوطني الجامع» ليس سوى ترحيل للأزمة، لا حلاً لها.
سئمنا من «التفويضات» التي تمنح الفرد صكوكاً للسيطرة، بينما يحترق الوطن. إن مستقبل السودان لا يُكتب بقرارات فوقية، بل يُبنى بإرادة شعبية حرة، ترفض أن تكون رهينة لمشاريع البقاء في السلطة على أنقاض الدولة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.