القوى السياسية يجب أن تتصدى لمخططات البرهان

نورا عثمان

 

لم يعد السودان يحتمل مزيدًا من الأزمات المصنوعة ولا مزيدًا من الصراعات التي تُدار بمنطق فرض الأمر الواقع. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، لم يجنِ السودانيون سوى الخراب، وانهيار الاقتصاد، واتساع رقعة النزوح، وتراجع مؤسسات الدولة، بينما تبتعد فرص السلام كلما تعثرت العملية السياسية.

في هذا المشهد المعقد، تتزايد المخاوف لدى عدد من القوى المدنية والسياسية من أن تؤدي أي ترتيبات تُتخذ بصورة أحادية إلى إعادة تشكيل السلطة بعيدًا عن التوافق الوطني. وترى هذه القوى أن مستقبل السودان لا ينبغي أن يُرسم بقرارات تصدر من طرف واحد، وإنما عبر عملية سياسية شاملة تضمن مشاركة جميع المكونات الوطنية وتحترم مبدأ التداول السلمي للسلطة.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه القوى السياسية اليوم لا يتمثل فقط في معارضة هذا القرار أو ذاك، وإنما في قدرتها على بناء موقف موحد يحمي فكرة الدولة نفسها. فالانقسامات التي ظلت تعصف بالقوى المدنية خلال السنوات الماضية أضعفت قدرتها على التأثير، وأتاحت للقوى المسلحة والعسكرية أن تصبح اللاعب الأكثر حضورًا في المشهد السياسي.

ولذلك، فإن مسؤولية القوى السياسية لا تقتصر على إصدار بيانات الرفض، بل تمتد إلى تقديم رؤية وطنية متماسكة تضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الحزبية الضيقة. فالتاريخ السوداني يثبت أن غياب الجبهة المدنية الموحدة كان أحد العوامل التي أطالت أمد الأزمات وعرقلت الانتقال نحو نظام سياسي مستقر.

ويرى كثير من المراقبين أن أي ترتيبات سياسية لا تقوم على الشراكة الواسعة والشفافية ستظل معرضة للطعن والرفض، لأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بتغليب طرف على آخر، وإنما بتأسيس مؤسسات تحظى بثقة مختلف مكونات المجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن القوى السياسية مطالبة بالدفاع عن مبدأ الاحتكام إلى الدستور والقانون والإرادة الشعبية، لا إلى موازين القوة وحدها.

كما أن المرحلة الراهنة تتطلب خطابًا سياسيًا مسؤولًا يوازن بين معارضة السياسات التي تُعد محل خلاف، وبين الحفاظ على فرص الحوار الوطني. فالسودان لا يحتاج إلى استقطاب جديد بقدر ما يحتاج إلى توافق يوقف الحرب، ويعيد بناء مؤسسات الدولة، ويفتح الطريق أمام انتخابات حرة عندما تسمح الظروف بذلك.

إن مواجهة ما تعتبره بعض القوى المدنية “محاولات للانفراد بالقرار” لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما بتوحيد الصفوف، وتعزيز العمل السياسي السلمي، والانخراط في حوار جاد حول مستقبل البلاد. فكلما كانت القوى المدنية أكثر تنظيمًا واتفاقًا على الحد الأدنى من الأهداف الوطنية، ازدادت قدرتها على التأثير في مسار الأحداث.

ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة السودانيين، بمختلف توجهاتهم، على إنتاج تسوية سياسية تُنهي الحرب وتعيد السلطة إلى مؤسسات تستمد مشروعيتها من الإرادة الشعبية. فالدول لا تستقر بالقوة وحدها، وإنما ببناء عقد سياسي يشارك في صياغته الجميع، ويضمن أن يكون الاحتكام في نهاية المطاف لصوت المواطن، لا لصوت السلاح.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.