أعادت الوثائق المسربة والمتبادلة بين الإدارة الأمريكية وحكومة بورتسودان، والتي كشفت عنها وكالة “رويترز”، ترتيب أولويات الحل السياسي في السودان. ورغم أن الجدل العلني تركز حول الشروط العسكرية للهدنة الإنسانية ومصير انتشار قوات الدعم السريع، إلا أن القراءة العميقة لبنود المبادرة تفتح الباب واسعاً أمام الترتيبات السياسية المؤجلة، وعلى رأسها مستقبل الجماعات الإسلامية (الإخوان المسلمين) وإبعادها عن صياغة المرحلة الانتقالية المقبلة.”
و وفقاً للوثائق المسربة، اقترحت واشنطن هدنة إنسانية فورية لمدة 90 يوماً كخطوة أولى تتيح تدفق المساعدات وحماية المدنيين، لكن البند الأكثر إثارة للقلق لدى تيارات الإسلام السياسي هو ما يليها؛ حيث ينص المقترح على إطلاق مفاوضات سياسية تفضي إلى وقف دائم للحرب، يعقبه انتقال سياسي تقوده سلطة مدنية كاملة وصولاً إلى إجراء الانتخابات.
و يرى مراقبون إن إصرار المقترح الأمريكي على محورية “السلطة المدنية” يعكس رغبة دولية حاسمة في العودة إلى مسار التحول الديمقراطي، وهو المسار الذي يضع خطوطاً حمراء واضحة أمام عودة عناصر النظام السابق (المؤتمر الوطني المحلول) إلى واجهة القرار السياسي.
و تشير المواقف المتباينة داخل أروقة حكومة بورتسودان إلى وجود صراع إرادات خفي؛ حيث حظيت المبادرة بقبول مبدئي مشروط من القيادة العسكرية، في مقابل شروط متشددة وضعتها الحكومة تطالب بالانسحاب الكامل للدعم السريع من المدن قبل الهدنة.
ويرى المراقبون أن هذا التشدد قد لا يكون مجرد مناورة عسكرية فحسب، بل تعبيراً عن ضغوط يمارسها التيار الإسلامي وحلفاؤه داخل مؤسسات الدولة. وتدرك هذه التيارات أن القبول بالرؤية الأمريكية، التي تدمج التهدئة العسكرية بمسار سياسي مدني، سيعني بالضرورة إقصاءهم المباشر والدستوري من المشهد، وإعادة تفعيل إجراءات تفكيك نفوذ النظام السابق.
الإبعاد من العملية السياسية: رغبة دولية وتوافق إقليمي
تمثل لجنة التنسيق المقترحة برئاسة الولايات المتحدة وعضوية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية كابحاً إقليمياً ودولياً أمام أي محاولة لإعادة إدماج “جماعة الإخوان” أو واجهاتها في أي صيغة سلام مقبلة.
وتتحرك الدبلوماسية الدولية بناءً على محددات واضحة تشترط أن يكون السودان المستقبلي خالياً من نفوذ التيارات الأيديولوجية التي ساهمت في تعقيد المشهد الانتقالي. وبموجب هذا المقترح، فإن التفاوض السياسي سيتجاوز قوى النظام القديم ليركز على الأطراف العسكرية المتحاربة والقوى المدنية المؤمنة بالتحول الديمقراطي، مما يعني إغلاق الباب نهائياً أمام حزب المؤتمر الوطني المحلول والحركات المتحالفة معه.
و تضع هذه التسريبات حكومة بورتسودان أمام خيارين أحلاهما مر بالنسبة لتيار الإسلام السياسي؛ فالسيناريو الأول يتمثل في القبول بالضغوط الدولية والذهاب نحو الهدنة،
مما يعني بدء العد التنازلي لإنهاء نفوذهم عبر عملية الانتقال المدني المفترضة.
أما السيناريو الثاني فهو السعي لعرقلة الاتفاق والاستمرار في خيار الحسم العسكري، وهو ما قد يدفع المجتمع الدولي نحو اتخاذ إجراءات عقابية صارمة وتجاوز حكومة بورتسودان في ملف المساعدات الإنسانية. وفي المحصلة، فإن الخلاف الذي يبدو ظاهرياً محصوراً في تفاصيل تقنية عسكرية حول خريطة السيطرة الميدانية، يخفي في طياته معركة سياسية مصيرية حول “من سيحكم سودان ما بعد الحرب”، وهي المعركة التي تشير كافة مؤشراتها الدولية إلى أن جماعة الإخوان لن تكون جزءاً منها
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.