ضربة لاقتصاد الحرب.. بريطانيا تضيق الخناق على شبكات الذهب وتمويل الصراع في السودان
تقرير – عين الحقيقة
في خطوة تعكس تصاعد الضغوط الغربية على أطراف الحرب في السودان، أعلنت المملكة المتحدة فرض حزمة جديدة من العقوبات تستهدف شبكات تجارة الذهب والتمويل التي تقول إنها تسهم في إطالة أمد الصراع، في محاولة لتجفيف مصادر التمويل التي يعتمد عليها طرفا النزاع.
وقالت وزارة الخارجية البريطانية، في بيان، إن العقوبات الجديدة تشمل 11 فردًا وكيانًا سودانيًا يُشتبه في ارتباطهم بشبكات التمويل والمشتريات والتجارة الداعمة لكل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وتأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية بريطانية أوسع تستهدف البنية الاقتصادية للحرب، عبر ملاحقة شبكات التجارة غير الرسمية، وعلى رأسها تجارة الذهب، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أهم مصادر التمويل في ظل انهيار مؤسسات الدولة وتراجع الإيرادات العامة.
استهداف اقتصاد الحرب
وبحسب البيان البريطاني، فإن العقوبات تستهدف الأفراد والكيانات التي يُعتقد أنها توفر الدعم المالي واللوجستي لطرفي الصراع، بما يشمل عمليات شراء المعدات، وإدارة شبكات التهريب، وتسهيل التجارة التي تدر عائدات تستخدم في استمرار العمليات العسكرية.
ويرى مراقبون أن تركيز لندن على تجارة الذهب يعكس إدراكًا متزايدًا للدور الذي يلعبه هذا القطاع في تمويل النزاع، خصوصًا بعد أن أصبح الذهب أحد أهم الموارد الاقتصادية في السودان، في ظل تراجع الصادرات التقليدية وانكماش الاقتصاد.
خبراء: العقوبات تضرب مصادر التمويل أكثر من الاقتصاد الرسمي
يرى خبراء اقتصاديون أن العقوبات الجديدة تستهدف في المقام الأول الاقتصاد الموازي، وليس الاقتصاد الرسمي، من خلال زيادة صعوبة وصول شبكات التمويل إلى النظام المالي العالمي، وتعقيد عمليات تحويل الأموال والتعامل مع الوسطاء الدوليين.
ويشير محللون إلى أن استهداف شركات وأفراد يعملون في تجارة الذهب قد يؤدي إلى تضييق حركة الصادرات غير الرسمية، ورفع كلفة نقل الذهب وتسويقه، بما يقلل من العوائد التي تستفيد منها شبكات تمويل الحرب.
وفي المقابل، يحذر خبراء من أن أي قيود إضافية على تجارة الذهب قد تدفع جزءًا من النشاط إلى مزيد من السرية، أو إلى استخدام مسارات تهريب جديدة، ما لم تُرافق العقوبات بجهود إقليمية ودولية لتشديد الرقابة على الحدود وأسواق المعادن.
انعكاسات على الاستثمار والقطاع المالي
ويؤكد مختصون في الاقتصاد الدولي أن العقوبات البريطانية تحمل رسائل تتجاوز حدود المملكة المتحدة، إذ قد تدفع مؤسسات مالية وشركات دولية إلى تشديد إجراءات الامتثال عند التعامل مع أي كيانات سودانية، خوفًا من التعرض لمخاطر قانونية أو مالية. كما قد تؤثر هذه الإجراءات على بيئة الاستثمار، من خلال زيادة حالة الحذر لدى المستثمرين الأجانب، في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوداني من تراجع حاد في الإنتاج، وانخفاض تدفقات الاستثمار، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة.
قراءة في المآلات
ويرى محللون أن العقوبات البريطانية قد تفتح الباب أمام خطوات مماثلة من دول غربية أخرى إذا استمرت الحرب، بما يعني توسيع دائرة الضغوط على شبكات التمويل والتجارة المرتبطة بالنزاع.
ويشير خبراء إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال المرحلة المقبلة: السيناريو الأول: نجاح العقوبات في تقليص قدرة شبكات التمويل على الحركة الدولية، وزيادة تكلفة تمويل العمليات العسكرية، بما يرفع الضغوط على أطراف النزاع. السيناريو الثاني: لجوء الجهات المستهدفة إلى توسيع الاعتماد على شبكات التهريب والأسواق غير الرسمية، الأمر الذي قد يحد من التأثير المباشر للعقوبات، لكنه يرفع كلفة النشاط الاقتصادي ويزيد المخاطر.
السيناريو الثالث: تصاعد التنسيق الدولي لاستهداف مصادر تمويل الحرب، بما يشمل الذهب، وشركات الواجهة، وشبكات التحويل المالي، وهو ما قد يفرض عزلة اقتصادية أكبر على الكيانات المرتبطة بالنزاع.
ضغوط متصاعدة
ويرى مراقبون أن العقوبات البريطانية تأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية الرامية إلى الحد من الموارد الاقتصادية التي تغذي الحرب، في ظل استمرار القتال وتفاقم الأزمة الإنسانية.
ويبقى التأثير الفعلي لهذه العقوبات مرتبطًا بمدى اتساع التنسيق بين الدول الغربية والإقليمية، وقدرة الجهات المعنية على تتبع شبكات التمويل العابرة للحدود، إلى جانب تطورات المشهد العسكري والسياسي داخل السودان، والتي ستحدد ما إذا كانت الضغوط الاقتصادية ستدفع نحو تقليص تمويل الحرب أم ستؤدي إلى انتقاله إلى مسارات أكثر تعقيدًا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.