تحقيق استقصائي | من البشير إلى البرهان.. كيف أعادت الحركة الإسلامية هندسة المشهد السوداني؟

أواب عزام البوشي

 

منذ سقوط نظام عمر البشير في 11 أبريل 2019، ظل السؤال مطروحاً: هل سقط مشروع الحركة الإسلامية فعلاً، أم أعاد ترتيب صفوفه خلف واجهات جديدة؟

يذهب هذا التقرير إلى أن ما حدث لم يكن نهاية نفوذ الحركة الإسلامية، بل إعادة هندسة للمشهد السياسي، عبر استبدال الواجهات مع الإبقاء على مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية والاقتصادية، وهو ما يفسر تعثر الانتقال الديمقراطي، وانقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم مسار الحرب التي اندلعت في أبريل 2023.

ويناقش التقرير سلسلة من الوقائع والأحداث التي يرى أنها تشكل خيطاً واحداً يربط بين سقوط نظام البشير واستمرار نفوذ شبكات النظام السابق، مع ترك الحكم النهائي للقارئ بناءً على المعطيات المطروحة.

أولاً: امتصاص الغضب.. التضحية بالرأس لحماية الجسد :-

الهندسة الأولى للمشهد كانت في التضحية بالرأس (البشير) لحماية الجسد (الحركة الإسلامية ومشروعها). فالمؤتمر الوطني، الذي حكم السودان ثلاثة عقود، كان قد أعد سيناريو متكاملاً لامتصاص غضب الشارع، مع الاحتفاظ بكل أدوات التحكم في مفاصل الدولة.

فتم تقديم البشير ككبش فداء لإرضاء الجماهير، مع بقاء البنية العميقة للدولة سليمة. وبعد 24 ساعة من توليه الحكم، تم إقصاء ابن عوف ليحل محله البرهان. وهذا ما أكده الفيديو المتداول لعثمان كبر حين قال بصراحة: “البرهان تابع جاؤوا به لسد الفراغ بعد إبعاد بن عوف” مما يوضح أن المؤتمر الوطني قد عمل على هندسة المشهد بعد سقوط عمر البشير

ثانياً: تأمين الولاء.. قسم البرهان أمام قيادات الحركة :-

الهندسة الثانية كانت في ضمان ولاء العسكر الجدد. فوفقاً للروايات المتداولة، أقسم البرهان يمين الولاء للحركة الإسلامية أمام القيادي البارز علي كرتي، مؤكداً أنه سيكون حارساً أميناً لمشروعها، وسيعمل على حماية مكتسباتها.

وهذا القسم تجسد في مسار البرهان العملي، حيث قام بحماية شبكات الحركة الإسلامية من الملاحقة، وتعامل بتعقيد مع المكون المدني، وأفشل مشروع التحول الديمقراطي، وقام بالانقلاب على المدنيين في 25 أكتوبر 2021، وأعاد تأهيل قيادات الحركة الإسلامية في المناصب السيادية والقضائية، وأطلق سراح قيادات النظام السابق وفي مقدمتهم أحمد هارون وعلي كرتي، وتعاون عسكرياً وسياسياً مع الحركة في الحرب الحالية.

ثالثاً: الوثيقة الدستورية.. فخ بمعايير هندسية :-

الهندسة الثالثة كانت في صياغة الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019. وبينما بدت الوثيقة كخطوة نحو التحول الديمقراطي، كانت في جوهرها فخاً محكماً لإفشال المكون المدني وإثبات عجزه عن إدارة الدولة.

فالوثيقة منحت شرعية مؤقتة للعسكر عبر رئاسة المجلس السيادي، مع بقاء القرار الفعلي بيدهم، وفي الوقت نفسه حملت المدنيين مسؤولية الفشل عبر توليهم منصب رئيس الوزراء والوزارات الاقتصادية، مع تقويض صلاحياتهم فعلياً مع منحهم صلاحيات شكلية، وتم ترك البنية الاقتصادية مفخخة، وعدم تسليمهم الأدوات الحقيقية للسلطة.

وكانت النتيجة انهيار الاقتصاد، وانهيار العملة، وارتفاع الأسعار، وأزمة خانقة عصبت بالمواطن السوداني، وكلها كانت تُستخدم كورقة ضغط ضد المدنيين لاتهامهم بالفشل في بداية الفترة الانتقالية.

رابعاً: هندسة الاقتصاد.. شركة البشير تضرب العملة من سجن كوبر :-

وهنا المفاجأة التي تكشف حقيقة هندسة الحركة الإسلامية للمشهد الاقتصادي. ففي أحد مؤتمرات لجنة تفكيك نظام 30 يونيو وإزالة التمكين، كشفت اللجنة أن أكبر شركة مضاربة على العملة في عام 2019 كانت شركة مملوكة للرئيس المخلوع عمر حسن البشير، رغم أنه كان موجوداً في سجن كوبر في ذلك الوقت.

هذا الكشف يحمل عدة دلالات، فهو يؤكد استمرار سيطرة النظام القديم على الاقتصاد رغم سقوط رئيسه، وأن البرهان كان يحمي هذه الشركات ويتيح لها حرية المضاربة، كما يؤكد أن تم تفجير الاقتصاد عمداً لإفشال المدنيين ، وأن شركات الكيزان ظلت تعمل تحت حماية الدولة التي يقودها البرهان.

ولجنة التمكين التي شكلت لمحاربة الفساد واسترداد الأموال، استطاعت خلال عامين من عملها أن تسترد نحو مليار دولار من الأصول غير المشروعة، و3200 عقار، و27 مليون متر مربع من الأراضي الزراعية، وحلت 98 منظمة و85 شركة خاصة. لكن في أكتوبر 2021، أصدر البرهان قراراً بتجميد عمل اللجنة، مبرراً ذلك بمراجعة قانون عملها، وهو ما اعتبره مراقبون “وأداً لروح الثورة” وحماية لشبكات النظام السابق.

خامساً: هندسة العنف.. فض الاعتصام بمنطق “اقتل النصف” :-

الهندسة الخامسة كانت في استخدام العنف الممنهج لتفريغ الثورة من محتواها. ففي 3 يونيو 2019، شهد السودان واحدة من أبشع المجازر في تاريخه الحديث، عندما اقتحمت القوات الامنية اعتصام القيادة العامة، مما أدى إلى سقوط العشرات وإصابة المئات، وفض الاعتصام بالقوة الغاشمة.

ويذكر المراقبون فتوى تاريخية نسبت إلى الشيخ عبد الحي يوسف، حيث قيل إنه أفتى للبشير بـ “اقتل النصف ليعيش النصف الآخر” عندما اندلعت التظاهرات ضده. ورغم أن الشيخ عبد الحي يوسف نفى هذه الفتوى نفياً قاطعاً في مقابلة مع الجزيرة نت، ووصفها بأنها “فرية افتراها أحد الكذابين”، إلا أن التطابق المنهجي بين منطق “اقتل النصف” واستخدام العنف المفرط لفض الاعتصام، يطرح تساؤلات حول استمرار العقلية الأمنية ذاتها التي كانت تسيّر النظام السابق، حتى بعد رحيل البشير.

فاستخدام نفس الأدوات الأمنية العنيفة، ونفس التغطية الإعلامية، ونفس التبريرات، كلها تشير إلى أن قرار فض الاعتصام لم يكن قراراً مستقلاً، بل كان جزءاً من استراتيجية وخطط النظام السابق

سادساً: الانقلاب على المدنيين.. إعادة إنتاج النفوذ

في 25 أكتوبر 2021، قام البرهان بانقلاب عسكري على المكون المدني، واعتقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ووزراءه، وأعلن حل الحكومة والمجلس السيادي. وهذا الانقلاب مثل تتويجاً لهندسة الحركة الإسلامية للمشهد، حيث أكمل ما بدأته الوثيقة الدستورية وأسقطه فض الاعتصام، وأعاد تأهيل قيادات الحركة الإسلامية في المناصب السيادية والقضائية، ومهد للحرب الحالية التي أرهقت البلاد وأعادت خلط الأوراق.

سابعاً: الحرب كفرصة أخيرة لإعادة إنتاج النفوذ :-

مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبحت هندسة الحركة الإسلامية أكثر وضوحاً. فتعاونت قيادات الحركة الإسلامية مثل أحمد هارون وعلي كرتي بشكل علني مع الجيش، وعبأوا مقاتلين لدعمه ضد قوات الدعم السريع. وتم إعادة تأهيل القيادات في مناصب سيادية وقضائية، وعاد الإعلام الإسلامي بقوة لتوجيه الرأي العام.

تحليل نظري: نموذج “الدولة العميقة” في السياق السوداني

يمكن قراءة هذه الهندسة من خلال مفهوم “الدولة العميقة”، وهي شبكة من المصالح المترابطة عسكرية وأمنية واقتصادية وحزبية تعمل خارج الإطار الدستوري للحفاظ على نفوذها وإفشال أي محاولة إصلاحية تهدد وجودها.

في السياق السوداني، تتجسد الدولة العميقة في الحركة الإسلامية كحاضنة أيديولوجية، والمؤسسة العسكرية كذراع تنفيذية، والشبكات الاقتصادية كوعاء تمويلي، والأجهزة الأمنية كأداة قمعية، والإعلام الموالى كآلة توجيهية.

وتتمثل آليات عملها في امتصاص الأزمات من خلال تقديم وجوه جديدة مع بقاء البنية، واستخدام العسكر كواجهة وحماية للنفوذ، وتفخيخ المؤسسات المدنية لإفشالها، واستخدام العنف كأداة أخيرة للحفاظ على النظام.

سقوط الشكل وبقاء الجوهر

بعد كل هذه الوقائع والتحليلات، يمكن القول بثقة أن ما حدث في 2019 لم يكن سقوطاً للحركة الإسلامية، بل كان إعادة هندسة للمشهد السياسي، تم من خلالها التضحية بالرأس لحماية الجسد، وتأمين ولاء العسكر الجدد، وصياغة وثيقة دستورية لإفشال المدنيين، وتفخيخ الاقتصاد عبر شركات النفوذ، واستخدام العنف لتفريغ الثورة، والانقلاب على المدنيين لإعادة إنتاج النفوذ، واستغلال الحرب كفرصة أخيرة.

يبقى السؤال : هل سينجح السودانيون في تفكيك هذه الهندسة؟ أم ستواصل الحركة الإسلامية هندسة المشهد لعقود قادمة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.