ديِنُ الله ودِينْ الكيزان!!

علاء خيراوي

بيان للناس؛
أُشهِدُ الله، وأُشهِدُ كل من يقرأ هذه الكلمات، أنني كافرٌ بدِينْ الكيزان، لا بالدِين الذي أنزله الله قرآنًا يُتلى على سيدنا محمد ﷺ، فهما يختلفان في كل قيمة وفكرة وشريعة. فأنا أبرأ إلى الله من كل من اتخذ دينه مطيةً للسلطة، وجعل القرآن ستارًا للفساد، والشريعة غطاءً للاستبداد، والإيمان وسيلةً لاستعباد الناس، ليس في السودان فحسب، وإنما في كل الدنيا.
كلمة “الدِّيِنْ” في اللغة والقرآن ليس مجرد العقيدة التي يتعبد بها الإنسان لربه، بل هو أيضًا المنهج الذي يسير عليه، والنظام الذي يحكم حياته، والطاعة التي يدين بها لمن يتبعه. ولهذا جاء في القرآن قوله تعالى؛ “مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِك”، أي في نظامه وقانونه، وجاء قوله سبحانه؛ “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ”، أي لكم منهجكم الذي تدينون به ولي منهجي الذي أدين به لله. ومن هذا المعنى، فإن حديثي عن “دِين الكيزان” لا يقصد الدِّيِنْ الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه وعليه، ونصّ عليه في كتابه الكريم، وإنما يقصد المنظومة الفكرية والسياسية التي صنعتها الحركة الإسلامية عبر عقود، وجعلت الولاء للتنظيم عقيدة، والطاعة للقيادة فريضة، والخصومة السياسية معاركةً بين الإيمان والكفر، حتى بدا وكأنها أقامت دِينًا سياسيًا موازيًا، له شيوخه، وفقهاؤه، ومحرماته، ومقدساته، ومن يخرج عليه يُتهم في دِينه قبل أن يُناقش في رأيه. ولذلك، فإن كفري “بدِينْ الكيزان” ليس كفرًا بالله، بل هو رفضٌ لمنهجٍ بشري خلط بين قداسة الوحي ومصالح السياسة، حتى كاد كثير من الناس يظنون أن سقوط التنظيم هو سقوط للدِين، مع أن الإسلام كان وسيبقى أعظم من أن يُختزل في حزب، أو يُحتكر بواسطة جماعة، أو يُدان بأخطاء من حكموا باسمه.
قبل أكثر من أربعة عقود، نجحت قيادات الحركة الإسلامية في السودان في إقناع آلاف البسطاء بأن معركتها السياسية هي معركة الإسلام نفسه، وأن الوقوف ضد مشروعها هو وقوف في وجه الشريعة، وأن معارضتها ليست اختلافًا مع حزب، بل تمرد على الدين. كان ذلك من أخطر عمليات الخلط بين المقدس والبشري في تاريخ السودان الحديث. فباسم “حماية الإسلام” جرى تعبئة الشارع، وباسم “المشروع الحضاري” جرى تجييش العواطف، وباسم “التمكين للدِين” مُنحت القداسة لتنظيم سياسي يخطئ ويصيب كغيره من التنظيمات. ولم يكن الطريق إلى انقلاب الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ معبدًا بالدبابات وحدها، بل سبقته سنوات طويلة من الخطاب التعبوي الذي صوّر الصراع السياسي على أنه صراع بين الإيمان والكفر، وبين الإسلام وأعدائه، حتى أصبح الاستيلاء على السلطة في نظر كثير من الأتباع واجبًا دينيًا لا خيارًا سياسيًا.
ولو أردنا أن نحاكم تجربة الكيزان إلى القرآن الذي يرفعونه شعارًا، لوجدنا أن الخصومة ليست بين خصومهم والإسلام، وإنما بين ممارساتهم ونصوص القرآن نفسها. فأين هم من قول الله تعالى؛ “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ”، وقد أصبح الظلم، في نظر كثير من السودانيين، السمة الأبرز لعهدهم؟ وأين هم من قوله سبحانه؛ “وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ”، وقد قامت دولة التمكين على حرمان آلاف السودانيين من حقوقهم وفرصهم بسبب الانتماء السياسي؟ وأين هم من قوله تعالى؛ “وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ”، وقد التصقت بسنوات حكمهم اتهامات واسعة بالفساد واستغلال المال العام؟ وأين هم من قوله سبحانه؛ “إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ”، وقد انتهى السودان، بعد ثلاثة عقود من حكمهم، إلى انهيار اقتصادي، وتمزق اجتماعي، وحروب متلاحقة، ومؤسسات منهكة؟ وأين هم من قوله تعالى؛ “وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا”، وقد صار الاختلاف السياسي، في كثير من المراحل، سببًا للإقصاء والتخوين؟ وأين هم من قوله سبحانه؛ “وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” إذا كانت السياسة تُدار بمنطق أن الغاية تبرر الوسيلة؟ وأين هم من قول الله عز وجل؛ “وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ”، إذا اختلط الدين بالحزب، وصار نقد القيادة يُقدَّم للناس على أنه حرب على الإسلام نفسه؟ إن الإسلام الذي نزل به القرآن لا يمنح أحدًا صك احتكار الدين، ولا يعفي حاكمًا من المحاسبة، ولا يجعل الشعار الديني حصانةً ضد النقد. فالقرآن لم يجعل معيار التفاضل كثرة الشعارات، بل قال؛ “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”، والتقوى ليست خطابًا سياسيًا، وإنما عدلٌ، وصدقٌ، وأمانةٌ، وصيانةٌ للدماء، وحفظٌ لحقوق الناس. ولذلك فإن محاكمة أي تجربة رفعت راية الإسلام لا تكون بما قالت عن نفسها، وإنما بما قدمته من عدل أو ظلم، ومن عمران أو خراب، ومن صدق أو تضليل، فهذه هي الموازين التي وضعها القرآن، لا الموازين التي تضعها الأحزاب.
إذا كان الدين في جوهره منظومةً أخلاقية قبل أن يكون شعاراتٍ ولافتات، فإن أعظم امتحان لأي مشروع يرفع رايتة هو أن تُقاس أفعاله بميزان تلك الأخلاق. فأين الصدق من خطابٍ يتهم خصومه في دينهم كلما ضاقت به الحجة؟ وأين الأمانة من اتهاماتٍ واسعة بالفساد وإهدار المال العام خلال سنوات الحكم؟ وأين الوفاء بالعهود من تاريخٍ سياسي حافل بالانقلابات ونقض الاتفاقات في نظر منتقديهم؟ وأين حرمة الدماء من وطنٍ استنزفته الحروب جيلاً بعد جيل؟ لقد نهى دِين الله عن الكذب، وأمر بالصدق، وحذر من شهادة الزور، وجعل الأمانة من أعظم الفرائض، وحرّم أكل أموال الناس بالباطل، وذم الفجور في الخصومة، وعدّ الظلم من أكبر الكبائر. غير أن الخطاب الذي تبنته الحركة الإسلاموية، في نظر كثير من السودانيين، جعل الغاية السياسية مبررًا للوسيلة، فإذا اقتضت المصلحة التنظيمية تخوين الخصوم خُوّنوا، وإذا اقتضت تبرير الأخطاء بُررت، وإذا اقتضت تغليف السياسة بقداسة الدِين فُعل ذلك بلا تردد. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى؛ فالمشكلة ليست في دِين الله، وإنما في تحويله إلى مظلة تبرر ما نهى عنه الإسلام نفسه. فالدِين الذي جاء ليحارب الكذب لا يمكن أن يكون سندًا للكذب، والدِين الذي جاء ليحارب الفساد لا يمكن أن يكون غطاءً للفساد، والدِين الذي جعل العدل أساس الحكم لا يمكن أن يُستدعى لتبرير الظلم أو الإقصاء أو الاستبداد. ومن هنا، فإن نقد هذه الممارسات ليس طعنًا في الدِين، بل هو دفاع عن القيم التي جاءت به ليقيمها بين الناس.
واليوم، وبعد كل ما جرى للسودان، يعود بعض قادتهم وشيوخهم إلى الخطاب نفسه، وكأن التاريخ لم يقل كلمته بعد. فبدل أن يقفوا وقفة مراجعة صادقة أمام حصيلة بلغت اكثر من ثلاثة عقود من الحكم، وبدل أن يسألوا أنفسهم؛ ماذا فعلنا بهذا الوطن؟ ولماذا انتهى مشروعنا إلى هذا المصير؟ ولماذا دفع السودان كل هذه الأثمان؟ يختارون الطريق الأسهل، وهو إعادة إنتاج الرواية القديمة؛ كل من ينتقدنا يحارب الإسلام، وكل من يرفض مشروعنا يرفض الشريعة، وكل من يطالب بمحاسبتنا إنما يستهدف الدين نفسه. إنها المحاولة ذاتها لإغلاق باب التفكير، وتعطيل العقل، وإرهاب الناس أخلاقيًا حتى يترددوا في نقد تجربة سياسية خوفًا من أن يُوصموا بعداء الدِين. لكن السودان في عام ٢٠٢٦ ليس هو السودان في ثمانينيات القرن الماضي. لقد عاشت أجيال كاملة التجربة بكل تفاصيلها، ورأت بأعينها كيف يمكن أن تُرفع أعظم الشعارات الدينية بينما تتراجع الدولة، وكيف يمكن أن تُتلى الآيات في المنابر بينما تتسع دوائر الظلم والفساد والحروب. ولم يعد من السهل إقناع السودانيين بأن تقييم تجربة حكم استمرت ثلاثين عامًا هو اعتداء على العقيدة، أو أن محاسبة تنظيم سياسي تعني محاكمة الدِين نفسه.
إن دِين الله لم يحكم السودان طوال تلك العقود، وإنما حكمته جماعة بشرية رفعت رايته وقدمت نفسها ممثلةً له. وهذه الجماعة، كغيرها من الجماعات، تُقاس بما أنجزت وما أخفقت فيه، وتُحاسب على قراراتها وسياساتها ونتائج حكمها. أما دِيِن الله لا يختزل في حزب، ولا يحتكره تنظيم، ولا يسقط بسقوط سلطة، ولا ينهض بنجاحها. ولذلك فإن أكبر إساءة له ليست في نقد تجربة الحركة الإسلاموية، وإنما في الإصرار على أن دِين الله لا يُرى إلا من خلالها، وأن فشلها هو فشل له، وأن سقوط مشروعها هو سقوط للشريعة. تلك معادلة لم يقل بها القرآن، وإنما صنعتها السياسة حين ارتدت ثوب العقيدة. ومن هنا جاءت هذه المقالة. فهي ليست إعلان حرب على دِين الله، بل دفاع عنه من الذين خلطوا بين قدسيته ومصالحهم السياسية، حتى صار الوطن كله يدفع ثمن هذا الخلط جيلاً بعد جيل.
فكلما انتقدنا الحركة الإسلاموية في السودان، خرج من يحاول أن يحتمي دِين الله، وكأن نقد مشروعه السياسي هو طعن في الدِين نفسه، وكأن التنظيم احتكر السماء، وصار الناطق الرسمي باسم الله في الأرض. لذلك أقولها بلا تردد؛ أنا كافرٌ بدِين الكيزان، لا بالدِين الذي أنزله الله قرآنًا يُتلى على سيد الخلق محمد صلوات ربي وسلامه عليه. فهناك فرق هائل بين الدِين الذي يدعو إلى العدل والرحمة والصدق والأمانة، وبين الدِين الذي صنعته سلطة سياسية لتبرير القتل والقمع والفساد والكذب. الأول وحيٌ إلهي خالد، والثاني صناعة بشرية مرتبطة بالمصالح والسلطة والنفوذ. لقد قدّم الكيزان، طوال عقود، نسخةً من الدِين تجعل الحاكم فوق المساءلة، وتمنح القداسة للتنظيم، وتحوّل الخصم السياسي إلى عدو لله، وتستخدم الفتوى سلاحًا في المعارك السياسية، وتستدعي النصوص حين تخدم السلطة، ثم تتجاهلها حين تُدينها. فأي دِين هذا الذي يبرر الفساد باسم التمكين؟ وأي دِين هذا الذي يزين الاستبداد، ويغلف الكذب بالشعارات، ويجعل الوطن وقودًا لبقاء جماعة في الحكم؟
لقد خسر السودان ملايين الأرواح، وتشرد الملايين، وانهارت مؤسسات الدولة، وتمزق النسيج الاجتماعي، بينما ظل قادة المشروع الكهنوتي يطالبون الناس بالصبر، ولا يملكون الشجاعة للاعتراف بأخطائهم أو تحمل مسؤولياتهم السياسية والأخلاقية. الدِين الذي أعرفه لا يأمر بالكذب، ولا يشرعن الظلم، ولا يجعل دماء الأبرياء وسيلةً لتحقيق الغايات السياسية. الدِين الذي أعرفه يحاسب الحاكم قبل المحكوم، ويقيم العدل بين الناس جميعًا، ويرفض استغلاله لتحقيق مكاسب دنيوية. إن أخطر ما فعله الكيزان ليس أنهم فشلوا في إدارة الدولة، بل أنهم ربطوا دِين الله في أذهان كثيرين بممارساتهم. جعلوا الناس يخلطون بين قدسية الدِين وأخطاء التنظيم، وبين القرآن وأدبيات الجماعة، وبين الإسلام الرباني والمشروع السياسي البشري.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية. فحين يسقط المشروع، لا ينبغي أن يسقط معه الدِين. وحين تُحاسَب جماعة، لا يجوز أن يُحمَّل الدِين وزر أفعالها. ومن واجب المؤمنين قبل غيرهم أن يفصلوا بين الوحي الإلهي والاجتهاد البشري، وبين العقيدة والتنظيم. إن رفض “دِين الكيزان” ليس رفضًا للإسلام، بل دفاعٌ عنه من الذين احتكروه لأنفسهم، وجعلوه مطيةً للسلطة. دِين الله الذي انزل على محمد، أكبر من أي حزب، وأبقى من أي تنظيم، وأقدس من أن يُختزل في تجربة سياسية مهما رفعت من شعارات. ولهذا أكررها بوضوح لا يحتمل التأويل؛ أنا كافرٌ بدِين الكيزان، لأنه مشروعٌ سياسي بشري بإمتياز قابل للنقد والمحاسبة والرفض. أما الدِين الذي أنزله الله رحمةً للعالمين، فسيظل أعظم من أن تلوثه أخطاء جماعة، أو أن تحتكره سلطة، أو أن تصادره فئة ذات مطاعم سياسية تتحدث باسمه .

وحتى بعد أن أصبحت الحركة الإسلاموية السودانية تواجه اتهامات وعقوبات وضغوطًا دولية متزايدة، آخرها تصنيفهم جماعة إرهابية دولية، وحتى بعد أن ارتبط اسمها، في نظر قطاع واسع من السودانيين، بالاستبداد والفساد والحروب، لا تزال بعض قياداتها تتعامل مع كل ذلك باعتباره ثمنًا مقبولًا في سبيل استعادة السلطة، لا مناسبةً لمراجعة التجربة والاعتراف بالأخطاء. وكأن الوطن يمكن أن يُهدم مرةً بعد أخرى، ما دام التنظيم يظل قائمًا. لهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست معركة البنادق، بل معركة الوعي. فالتنظيم الذي استطاع لعقود أن يحتمي بدِين الله، لا يُهزم إلا بإعادتة إلى مكانه الصحيح، بعيدًا عن الاستغلال الحزبي والسياسي. ولا تُهزم دعايته إلا بكشف التناقض بين الشعارات والممارسات، وبين ما يُقال على المنابر وما جرى على أرض الواقع.
إن أخطر سلاح امتلكه هذا المشروع لم يكن المال ولا السلاح، بل قدرته على إقناع البسطاء بأن الدفاع عن التنظيم هو دفاع عن الدِين ليُدفع البسطاء دفعاً إلى ساحات الصراع باسم الدين، بينما يعيش كثير من قادة التنظيم ورموزه خارج السودان في تركيا وقطر ومصر، ينعمون بالأمن والاستقرار، ويتمتع أبناؤهم بدِعة العيش وكريم الحياة، فيما يُطلب من أبناء الفقراء أن يدفعوا الثمن من دمائهم ومستقبلهم. إنها المأساة التي تتكرر؛ فالقادة يخوضون معاركهم من خلف المنابر والشاشات، بينما يُستدعى البسطاء ليكونوا وقودًا لصراع سياسي يُكسى بثوب العقيدة. وحين يدرك الناس أن الدِين أسمى من أن يُختزل في حزب، وأن الوطن لا يُبنى بالكراهية ولا بالاستبداد ولا بتقديس الجماعات، عندها فقط تسقط آخر أوراق هذا المشروع. فالمستقبل لن يصنعه من يتاجر به، بل من يحرره من تجار السياسة، ويحرر الوطن من الذين جعلوا السلطة عقيدة، والسلطان غاية، والشعب مجرد وسيلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.