رفض البرهان مقترح واشنطن يفتح الباب لعقوبات دولية “غير مسبوقة”.. هل اقترب السودان من “البند السابع”؟
أواب عزام البوشي
في المشهد السوداني الحالي، تتضح معادلة سياسية لا يمكن تجاهلها: كلما تعثرت فرص السلام، ازدادت الضغوط الدولية على السودان، واتسعت دائرة العقوبات، وازدادت عزلة البلاد سياسيًا واقتصاديًا. وما يجري اليوم، في تقديري، ليس مجرد خلاف حول مبادرة سياسية، بل بداية مرحلة جديدة قد تكون أكثر صعوبة من كل المراحل السابقة، إذا استمرت حالة الجمود ورفض الحلول السياسية.
من خلال متابعة تطورات الأزمة، يبدو أن موقف البرهان من المقترح الأمريكي الأخير يعكس استمرار الخلاف حول كيفية الوصول إلى وقف إطلاق النار. فالجيش السوداني يتمسك بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن قبل أي هدنة، وهو الشرط نفسه الذي كان أحد أسباب تعثر مفاوضات جدة في مراحلها السابقة. وفي المقابل، ترى واشنطن أن الوصول إلى هدنة يتطلب خطوات متبادلة تمهد لبدء العملية السياسية.
وفي تقديري، فإن هذا التعثر لم يعد مجرد خلاف تفاوضي، بل بدأ يترتب عليه ثمن سياسي واقتصادي متزايد. فالعقوبات التي أعلنتها الولايات المتحدة خلال عذا الشهر لم تأتِ من فراغ، وإنما تعكس انتقال السياسة الأمريكية من مرحلة منح الفرص إلى مرحلة زيادة الضغوط على الأطراف التي ترى أنها تعرقل الوصول إلى تسوية سياسية.
ففي 17 يوليو، فرضت واشنطن عقوبات جديدة على خلفية اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية، وهي خطوة تمثل تصعيدًا واضحًا في التعامل الأمريكي مع الأزمة السودانية. ولا تقتصر آثار هذه العقوبات على بعدها السياسي، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي أيضًا، إذ تشمل معارضة تقديم القروض والمساعدات المالية الدولية، وهو ما قد يزيد من صعوبة الأوضاع الاقتصادية في السودان خلال المرحلة المقبلة.
ولم تتوقف الضغوط عند الولايات المتحدة، بل تحركت دول أوروبية في الاتجاه نفسه، حيث اتجهت إلى تضييق الخناق على قطاع الذهب، الذي أصبح أحد أهم مصادر تمويل الاقتصاد والحرب في السودان. فقد فرض الاتحاد الأوروبي قيودًا على الذهب السوداني، كما فرضت بريطانيا عقوبات على شركات تعمل في قطاع التعدين، في رسالة تعكس توجهاً دولياً نحو استهداف مصادر التمويل المرتبطة باستمرار الحرب.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل يفعل البند السابع في السودان ؟
من الناحية القانونية، لا يزال السودان خاضعًا لبعض التدابير الصادرة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وعلى رأسها نظام العقوبات المرتبط بقرار مجلس الأمن رقم 1591 الخاص بدارفور. كما أن تجديد مجلس الأمن لهذا النظام يعكس استمرار اهتمام المجتمع الدولي بالوضع السوداني، ويؤكد أن أدوات الضغط الدولية ما زالت قائمة ويمكن توسيعها إذا استمرت الأزمة دون تقدم سياسي.
وفي تقديري، فإن خطورة المرحلة الحالية لا تكمن فقط في العقوبات القائمة، بل في إمكانية انتقال المجتمع الدولي إلى إجراءات أشد إذا اقتنع بأن الأطراف السودانية غير قادرة على الوصول إلى تسوية سياسية. فالتجارب الدولية تشير إلى أن العقوبات غالبًا ما تبدأ تدريجيًا، ثم تتوسع كلما استمرت الأزمات دون حلول.
سوابق دولية تحمل رسائل واضحة :-
ما يحدث في السودان ليس حالة استثنائية، بل يشبه مسارات شهدها العالم خلال العقود الماضية. في سوريا، بدأت الأزمة بعقوبات سياسية واقتصادية متدرجة، ثم توسعت مع استمرار الحرب وتعثر الحل السياسي، حتى أصبحت البلاد تعيش واحدة من أطول فترات العزلة الدولية في التاريخ الحديث.
وفي ليبيا عام 2011، أدى استمرار القتال ورفض الحلول السياسية إلى صدور قرار مجلس الأمن رقم 1973، الذي فتح الباب أمام تدخل عسكري دولي لحماية المدنيين.
أما في البوسنة والهرسك وكوسوفو، فقد أدى فشل الأطراف المحلية في إنهاء الصراع إلى تدخل المجتمع الدولي بصورة أوسع، ووصل الأمر إلى ترتيبات دولية لإدارة المرحلة الانتقالية قبل إعادة السلطة تدريجيًا إلى المؤسسات الوطنية.
ورغم اختلاف الظروف بين هذه الدول والسودان، فإن القاسم المشترك بينها جميعًا هو أن استمرار الحرب، وتعثر الحلول السياسية، والمماطلة في الاستجابة للمبادرات الدولية، أدى في النهاية إلى زيادة التدخل الدولي واتساع نطاق الضغوط. لذلك، يمكن القول إن احتمالات تفعيل البند السابع في السودان باتت أقرب من أي وقت مضى.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.