استمرار الحرب في السودان يطرح سؤالًا يتردد كثيرًا في الأوساط السياسية والإعلامية: هل أثرت الحرب على مواقع الضباط الذين كانوا يُنظر إليهم على أنهم أكثر ميلًا للحلول السياسية؟
يتداول كثير من المراقبين روايات عن خروج عدد من الضباط من مواقعهم، سواء عبر الإحالة إلى التقاعد أو إنهاء التكليف أو الابتعاد عن دائرة صنع القرار. لكن الربط بين هذه القرارات وبين موقف هؤلاء الضباط من الحرب يظل، حتى الآن، محل نقاش وتحليل، وليس أمرًا تثبته أدلة معلنة.
ويرى بعض المحللين أن استمرار أي حرب لفترة طويلة يمنح التيارات الأكثر تشددًا مساحة أكبر للتأثير في القرار العسكري، بينما تتراجع الأصوات التي تدعو إلى التهدئة أو التسوية السياسية. وفي المقابل، يرى آخرون أن تغييرات القيادات العسكرية خلال الحروب قد تكون مرتبطة باعتبارات ميدانية وتنظيمية، وليس بالضرورة بسبب اختلاف المواقف من استمرار القتال.
ويذهب منتقدون للتيار الإسلامي، الذي يُشار إليه في السودان أحيانًا باسم “الكيزان”، إلى أن هذا التيار سعى إلى تعزيز نفوذه داخل مؤسسات الدولة خلال فترات مختلفة، ويعتبرون أن ذلك قد يؤثر في طبيعة القرارات السياسية والعسكرية. في المقابل، يرفض أنصار التيار هذه الاتهامات، ويؤكدون أن قرارات المؤسسة العسكرية تُتخذ وفق اعتبارات مهنية وأمنية.
بعيدًا عن الجدل السياسي، يبقى السؤال الأهم: هل توجد داخل المؤسسة العسكرية مساحة حقيقية لتعدد وجهات النظر بشأن كيفية إنهاء الحرب؟ ففي كثير من التجارب الدولية، لم تكن الدعوة إلى التفاوض تعني التخلي عن المؤسسة العسكرية، بل كانت تعكس قراءة مختلفة لكلفة استمرار القتال وإمكانات الوصول إلى تسوية.
لقد أرهقت الحرب السودان اقتصاديًا وإنسانيًا، وأصبح من المشروع أن يناقش الرأي العام طبيعة آليات اتخاذ القرار، ودور القيادات العسكرية والسياسية في رسم مسار المرحلة المقبلة. غير أن الإجابة عن أسئلة تتعلق بوجود إقصاء ممنهج لضباط بسبب مواقفهم من الحرب تحتاج إلى معلومات موثقة وشفافة، لا إلى التكهنات وحدها.
ومهما اختلفت التفسيرات، فإن استمرار الحرب يفرض تحديًا أكبر من أي خلاف داخلي، وهو كيفية استعادة مؤسسات الدولة لقدرتها على إدارة الخلافات عبر الأطر المؤسسية، لا عبر منطق الحرب. فالسودان في نهاية المطاف لن يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى مؤسسات تتمتع بالثقة، وقادرة على استيعاب التباين في الرؤى دون أن يتحول ذلك إلى مصدر انقسام جديد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.