كنت أنوي أن أكتب مقالاً مطولاً عن التصريحات التي أطلقها المدعو محمد الأمين إسماعيل، والتي زعم فيها أن الشعب السوداني هو الذي أشعل الحرب بسبب “بعده عن الله”.
لكن ما حدث من ردود فعل شعبية واسعة، وحملة السخرية العفوية التي اجتاحت وسائل التواصل، جعلني أشعر بالامتنان لكل من تصدى لهذا الخطاب وكشف تناقضه ونفاقه.
فليس من المقبول أخلاقياً ولا دينياً أن يُلقى وزر الحرب على شعبٍ كان الضحية الأولى لها، بينما يُغض الطرف عن الذين حملوا السلاح، وخططوا للحرب، وأشعلوا نارها.
إن تحميل الضحية مسؤولية الجريمة ليس وعظاً، وإنما قلبٌ للحقائق، وتزييفٌ للوعي، وتبرئةٌ للمجرمين.
يا من تتحدث باسم الدين، بأي ميزان تُبرئ الدعم السريع، وتُبرئ الجيش والبيئة السياسية والفكرية التي أفرزت كل ذلك العنف، ثم تتهم الشعب السوداني كله؟
كيف يصبح المواطن الذي هُجِّر من بيته، وفقد أبناءه، وشُرِّد في المنافي، هو المسؤول عن الكارثة، بينما يغيب عن خطابك أي حديث عن الذين حملوا السلاح وأراقوا الدماء؟
إن هذا الخطاب لا يمثل الدين، وإنما يمثل توظيف الدين لخدمة مواقف سياسية، وهو ما اعتاده كثير من تجار الدين عبر تاريخ السودان.
ولذلك لم يكن غريباً أن يقابل الناس هذا الحديث بالسخرية؛ فالسخرية هنا لم تكن من الدين، وإنما من النفاق الذي يتستر بالدين.
وليس هذا أول مشهد في سجل هذا الرجل.
فقد سبقت له مسرحية البكاء على المنبر، والعويل مدعياً أن الدكتور عمر القراي قد صوّر الذات الإلهية في كتاب التاريخ، في محاولة لإثارة العواطف وتحريض العامة، بدلاً من الاحتكام إلى النقاش العلمي الرصين.
واليوم يعيد الأسلوب نفسه، ولكن هذه المرة بتوجيه الاتهام إلى شعب بأكمله.
ومن حسن المصادفة أنني طالعت في اليوم نفسه ما نشرته الأخت أحمدية في بعض المجموعات، من نصوص للأستاذ محمود محمد طه، ومن بيانات الحزب الجمهوري، وهي نصوص كُتبت قبل عقود، لكنها تكاد تصف واقعنا اليوم بدقة مدهشة.
فقد انتقدت تلك الكتابات رجال الدين الذين جعلوا أنفسهم أبواقاً للسلطة، يعيشون في ظلالها، ويبررون أفعالها، ويكتفون بالوعظ والفتاوى، بينما يعجزون عن تقديم فكر إسلامي حي يعالج مشكلات المجتمع.
وجاء في البيان الثالث للحزب الجمهوري وصف بالغ الدقة لهذه الظاهرة، حين تحدث عن رجال دين “دائماً سائرون في موكب النفاق المهلّل لصاحب السلطة”، وأنهم “مسترزقون من عواطف هذا الشعب الطيب”، وأنهم يعجزون عن مواجهة الفكر بالفكر، فيلجأون إلى التكفير، وإلى مصادرة الحريات، وإلى استغلال الدين لحماية مواقعهم ومصالحهم.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في ذلك البيان قوله إن الإسلام لا يعرف طبقة تحتكر الحديث باسم الله، ولا يعرف رجال دين يتزينون بهالة القداسة، وإنما يعرف رجالاً يصدقون ما يقولون، ويجسدون الدين في سلوكهم قبل كلماتهم.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطب التي تُحمِّل الضحية مسؤولية مأساتها، ولا إلى وعاظ يوزعون صكوك الإيمان والكفر على الناس، وإنما يحتاج إلى صوت الحق، وإلى الاعتراف بالمسؤولية، وإلى إدانة كل من أشعل الحرب أو ساهم في استمرارها، أيّاً كان موقعه أو شعاره.
ولذلك، أجدد شكري لكل من واجه هذا الخطاب بالنقد والسخرية وكشف تناقضاته.
فحين يسقط قناع النفاق، تكون الحقيقة قد خطت خطوة إلى الأمام.
أما الدين، فسيظل أكبر وأطهر من أن يكون وسيلة لتبرئة المعتدين، أو لإدانة شعبٍ كامل دفع من دمه وبيوته ومستقبله ثمناً لحرب لم يخترها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.