ثلاثة جيوش في مدينة واحدة: يوميات العذاب السوداني في الدبة

طارق خاطر

المشهد الإنساني في السودان لا يمكن قراءته من زاوية مدينة واحدة تنتظر معركة في رحم الغيب – الأبيض – لأن بنية الحرب نفسها تُنتج معاناة متعددة المراكز، تتداخل فيها الانتهاكات، وتتباين فيها مستويات السيطرة، بينما تتكشّف وثائق وسياسات تُظهر أن سلطة بورتسودان تتجه إلى هندسة مستقبل سياسي يتجاوز مطلب وقف الحرب وفتح الممرات الإنسانية. هذا التشظي في المشهد يجعل أي قراءة جزئية نوعاً من التواطؤ غير المقصود مع سردية تُخفي ما يجري في الأطراف، حيث تتعرض مناطق واسعة لانتهاكات ممنهجة ترتكبها جماعات جهادية متطرفة مصنّفة دولياً بأنها مسؤولة عن عنف جسيم ضد المدنيين، وفق ما تشير إليه تقارير ميدانية وثّقها ناشطون ومنظمات محلية.
هذه المناطق تشمل أجزاء من شمال دارفور وجنوب كردفان والولاية الشمالية، حيث تتكرر أنماط الاعتداء على القرى ونهب الممتلكات وتجنيد القُصّر، دون أن تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام الدولي أو الإعلامي. التركيز على مدينة واحدة يخلق تعتيماً على مناطق أخرى، ويُضعف قدرة المنظمات الإنسانية على توجيه مواردها بشكل متوازن، ويمنح المليشيات المتطرفة هامشاً واسعاً لممارسة العنف بعيداً عن الرقابة.
رغم أن بعض المدن لم تشهد اشتباكات مباشرة، إلا أن الانتهاكات تُمارس فيها بطرق مختلفة. مدينة الدبّة في الولاية الشمالية مثال صارخ، فهي تقع تحت سيطرة جيش البرهان وحلفائه من جماعات ذات طابع جهادي، وتُسجّل فيها حالات اعتقالات تعسفية، ومصادرة ممتلكات، وتضييق على حركة المدنيين، وتدخلات في الإدارة المحلية، وفرض جبايات غير قانونية. هذه الممارسات تُرتكب في سياق سيطرة أمنية مشددة، ما يجعلها أكثر تعقيداً لأنها تحدث دون وجود مبرر عسكري مباشر، وتستهدف المدنيين في تفاصيل حياتهم اليومية.
في المناطق التي يسيطر عليها جيش البرهان وكتائب المشتركة والجهاديين، يعيش المدنيون في ظروف بالغة الصعوبة، تتداخل فيها مستويات متعددة من المعاناة. الخدمات الأساسية شبه منهارة، فالكهرباء تتوقف لساعات طويلة، والمياه شحيحة، والنظام الصحي متداعٍ، والوقود نادر، والمدارس مغلقة. وجود جماعات مسلحة حليفة للجيش يخلق بيئة خوف، ويجعل المدنيين عرضة للابتزاز أو الاعتقال أو التضييق، وهذا التداخل بين السلطة الرسمية والسلطة الجهادية يضاعف هشاشة الحياة اليومية ويجعلها رهينة مزاج القوة.
تتسرب وثائق وتقارير من داخل أروقة بورتسودان تشير إلى أن عبد الفتاح البرهان يعمل على تعزيز سلطاته المركزية، و محاولة تشكيل حكومة تكنوقراط بدعم إقليمي من مصر والسعودية، ووضع خارطة طريق تنتهي بانتخابات بعد خمس سنوات، دون الالتفات إلى مطلب وقف الحرب أو فتح ممرات إنسانية، ودون السماح بخروج المدنيين أو إدخال مساعدات كافية. هذه السياسات، وفق الشواهد الميدانية، تجعل المدنيين في مناطق سيطرة جيش البرهان يعيشون في حرب غير معلنة؛ حرب خدمات، وحرب أمن، وحرب مستقبل سياسي يُصاغ دون مشاركتهم أو مراعاة احتياجاتهم الإنسانية العاجلة.

الاهتمام الإنساني يجب أن يكون شاملاً، ويتضمن معالجة جميع طبقات النزاعات التي تتداخل فيها حرب المدن الكبرى، وانتهاكات المليشيات الجهادية في الأطراف، وقمع داخل مناطق السيطرة العسكرية، ومشاريع سياسية تُبنى فوق ركام المعاناة اليومية. تجاهل أي طبقة من هذه الطبقات والتركيز المتعمد على انتهاكات مضخم الحكي عنها تقع في مدن تقبع تحت رحى المعركة يعني إنتاج سردية ناقصة، ويُسهم في استمرار الانتهاكات بعيداً عن الضوء، ويجعل المدنيين في الأطراف يعيشون في صمتٍ مفروض، لا يسمعه العالم إلا حين تتسرب وثيقة أو يصرخ شاهد في لحظة نادرة.

هذا المشهد المركّب يفرض على كل من يتناول الوضع الإنساني في السودان أن يعيد النظر في طريقة فهمه للخراب، وأن يدرك أن المعركة ليست في المدن التي تتصدر العناوين فقط، وإنما في كل مكان تُمارس فيه سلطة القوة على جسد المدني الأعزل، سواء كانت هذه القوة جيشاً نظامياً أو كتائب مشتركة أو جماعات جهادية متطرفة.
ولأن السردية الكاملة لا تُكتب من مركز واحد، فإن إعادة توزيع الضوء على كل مناطق الألم تصبح ضرورة أخلاقية قبل أن تكون مهمة تحليلية، حتى لا يتحول الإنسان السوداني إلى ظلٍّ في تقرير، أو رقمٍ في نشرة، أو هامشٍ في حربٍ تُدار فوق رأسه دون أن يُستشار في مصيره.
(الراكوبة)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.